وهناك فئة من الناس يعاندون ويستهزؤون بالأنبياء والدعاة، والأنبياء لم يقصروا في الدعوة، ولم يقصروا في الحجة، إنما العلة فيهم أنفسهم، فهم يجعلون من هواهم إلهاً يعبدونه، ولا يرجعون إلى حجة أو برهان.
فهذا النوع من الناس غير قابل للهدى، وغير صالح لأن يتوكل الرسول بأمره، ولا أن يحفل بشأنه، وقد أشار الله إلى هؤلاء بقوله: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) } [الفرقان: 43] .
ثم يخطو القرآن خطوة أخرى في تحقير هؤلاء الذين يعبدون هواهم، فيسويهم بالأنعام التي لا تسمع ولا تعقل، ثم يخطوة الخطوة الأخيرة فيدحرجهم من درجة الأنعام إلى درك أسفل وأحط كما قال سبحانه: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان: 44] .
وقد أمر الله عزَّ وجلَّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالاستقامة على دين الله الثابت، المستند على فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) } [الروم: 30] .
فهذا الدين هو العاصم من الأهواء والشهوات والشبهات، وبهذا يربط بين فطرة النفس البشرية وطبيعة هذا الدين، وكلاهما من الله.
والله الذي خلق القلب البشري، هو الذي أنزل إليه هذا الدين ليحكمه ويصرفه، والفطرة ثابتة والدين ثابت، لا تبديل لخلق الله، فإذا انحرفت النفوس عن الفطرة
لم يردها إليها إلا هذا الدين المتناسق مع الفطرة، فطرة البشر وفطرة الوجود: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) } [الروم: 30] .