ولكي يعيش الإنسان على قَدْر إمكاناته لا بُدَّ له أنْ يوازن بين دَخْله ونفقاته ، فمَنْ كان عنده عُسْر في دَخْله ، أو ضاقت عليه منافذ الرزق لا بُدَّ له من عُسْر في مصروفه ، ولا بُدَّ له أنْ يُضيِّق على النفس شهواتها ، وبذلك يعيش مستوراً ميسوراً ، راضي النفس ، قرير العين .
والبعض في مثل هذه المواقف يلجأ إلى الاستقراض للإنفاق على شهوات نفسه ، وربما اقترض ما يتمتع به شهراً ، ويعيش في ذلة دَهْراً ؛ لذا من الحكمة إذن قبل أن تسأل الناس القرض سَلْ نفسك أولاً ، واطلب منها أن تصبر عليك ، وأن تُنظرك إلى ساعة اليُسْر ، ولا تُلجئك إلى مذلَّة السؤال . . وقبل أن تلوم مَنْ منعك لُمْ نفسك التي تأبَّتْ عليك أولاً .
وما أبدع شاعِرنا الذي صاغ هذه القيم في قوله:
إذَا رُمْتَ أنْ تستقرضَ المالَ مُنفِقاً ... على شَهَواتِ النفسِ فِي زَمَنِ العُسْر
فَسَلْ نفسَكَ الإنفاقَ من كَنْز صَبْرِها ... عليْكَ وإنظاراً إلى سَاعةِ اليُسْرِ
فَإِنْ فعلْتَ كنتَ الغني ، وإنْ أبَتْ ... فكُل مَنُوع بعدها وَاسِعُ العُذْر
ثم يقول الحق سبحانه:
{وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ} [النحل: 30] .
والخير في الآخرة من الله ، والنعيم فيها على قَدْر المنعِم تبارك وتعالى ، دون تعب ولا كَدٍّ ولا عمل .
ومعلوم أن كلمة: {قَالُواْ خَيْراً ...} [النحل: 30] .
التي فسَّرها الحق تبارك وتعالى بقوله:
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ . .} [النحل: 30] .
تقابلها كلمة"شر"، هذا الشر هو ما جاء في قول الكافرين: {مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين} [النحل: 24] .
فهؤلاء قالوا خيراً ، وأولئك قالوا شراً .