ولكن إذا قيل: ذلك خير من ذلك ، فقد توفر الخير في الاثنين ، إلا أن أحدهما زاد في الخيرية عن الآخر ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير".
لذلك لما قال:
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ} [النحل: 30] .
قال: {وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ} [النحل: 30] .
أي: خير من حسنة الدنيا ، فحسنة الدنيا خير ، وأخير منها حسنة الآخرة .
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
{وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين} [النحل: 30] .
أي: دار الآخرة .
ثم أراد الحق تبارك وتعالى أن يعطينا صورة موجزة عن دار المتقين كأنها برقية ، فقال سبحانه: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ...} .
والجنات: تعني البساتين التي بها الأشجار والأزهار والثمار والخضرة ، مما لا عَيْن رأتْ ، ولا أذُن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . . ليس هذا وفقط . . هذه الجنة العمومية التي يراها كل مَنْ يدخلها . . بل هناك لكل واحد قصر خاص به ، بدليل قوله تعالى: {وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفوز العظيم} [الصف: 12] .
إذن: هنا قَدْر مشترك للجميع:
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [النحل: 31] .
ومعنى قوله تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ ...} [النحل: 31] .
أي: جنات إقامة دائمة ؛ لأن فيها كل ما يحتاجه الإنسان ، فلا حاجه له إلى غيرها . . هَبْ أنك دخلْتَ أعظم حدائق وبساتين العالم هايد بارك مثلاً فقصارى الأمر أنْ تتنزَّه به بعض الوقت ، ثم يعتريك التعب ويصيبك المَلل والإرهاق فتطلب الراحة من هذه النزهة . . أما الجنة فهي جنة عدن ، تحب أن تقيم فيها إقامة دائمة .
ويصف الحق سبحانه هذه الجنات فيقول:
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [النحل: 31] .