أي: يأخذون حسناتهم ، وتكون لهم اليَدُ العليا بما اجتهدوا ، وبما عَمِلوا في دنياهم ، وبذلك ينفع الإنسانُ نفسه وينفع غيره ، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا ، وكان ثوابك وخَيْرك موصولاً بخير الآخرة .
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلم يغرس غرساً ، أو يزرع زرعاً ، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
ومن هذه الآية أيضاً يتضح لنا جانب آخر ، هو ثمرة من ثمرات الإحسان في الدنيا وهي الأمن .. فمَنْ عاش في الدنيا مستقيماً لم يقترف ما يُعَاقب عليه تجدْه آمناً مطمئناً ، حتى إذا داهمه شر أو مكروه تجده آمنا لا يخاف ، لأنه لم يرتكب شيئاً يدعو للخوف .
خُذْ مثلاً اللص تراه دائماً مُتوجِّساً خائفاً ، تدور عَيْنه يميناً وشمالاً ، فإذا رأى شرطياً هلع وترقَّب وراح يقول في نفسه: لعله يقصدني . . أما المستقيم فهو آمن مطمئن .
ومن ثمرات هذا الإحسان وهذه الاستقامة في الدنيا أن يعيش الإنسان على قَدْر إمكاناته ولا يُرهق نفسه بما لا يقدر عليه ، وقديماً قالوا لأحدهم: قد غلا اللحم ، فقال: أَرْخِصوه ، قالوا: وكيف لنا ذلك؟ قال: ازهدوا فيه .
وقد نظم ذلك الشاعرُ فقال:
وَإِذَا غَلاَ شَيءٌ عَلَيَّ تركْتُه ... فيكونُ أرخصَ ما يكونُ إِذَا غَلاَ
ولا تَقُلْ: النفس توَّاقة إليه راغبة فيه ، فهي كما قال الشاعر:
وَالنفْسُ رَاغِبةٌ إِذَا رغَّبْتَها ... وَإِذَا تُرَدّ إلى قَلِيل تَقْنَعُ
وفي حياتنا العملية ، قد يعود الإنسان من عمله ولمَّا ينضج الطعام ، ولم تُعَد المائدة وهو جائع ، فيأكل أيَّ شيء موجود وتنتهي المشكلة ، ويقوم هذا محل هذا ، وتقنعُ النفسُ بما نالتْه .