هذا الربطُ بين الزلازل والبراكينِ، في هذه السورةِ القصيرةِ إشارةٌ لطيفةٌ مِن الله عز وجل إلى أنَّ خالقَ الأكوانِ هو الذي أنزلَ القرآنَ، هذه حقيقةٌ صارخةٌ، وهو الذي خَلَقَ مئة ألفِ مليون مجرّةٍ، والذي خَلَقَ هذه المذنباتِ، وتلك الكازراتِ، وهذه الكواكبَ، وهذه النجومَ، فإنَّ خالقَ الأكوانِ هو الذي أنزلَ القرآنَ، فيجبُ أنْ تعلمَ مَن هو المرسِلُ، هذا خطابُ مَن؟ إنه خطابُ اللهِ خالقِ كلِّ شيء، وفضلُ كلامِ اللهِ على خَلْقِه كفضلِ اللهِ على خَلْقِهِ.
إنها نعمةٌ كبرى أنْ تستيقظَ صباحاً، وترى الأرض مستقرَّةً، ولن تعرف هذه النعمةَ إلاّ إذا شهدتَ زلزالاً يكادُ تنفطرُ منه القلوبُ لهولِ الدمار، وقد لفت الله تعالى نظرنا إلى هذا فقال: {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً} [النمل: 61] ، ولولا هذا الاستقرار ما بقي بناءٌ على وجه الأرض، وما نعم بيتٌ بقرارٍ، وقد قال سبحانه: {والأرض ذَاتِ الصدع} [الطارق: 12] ، فمِن لوازمِها التصدُّع، الذي هو أداة تخويف، كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بالآيات إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59] ، فالطاعةَ الطاعةَ قبلَ الحادثِ العَمِيمِ.
زلزال القاهرة
حين يركبُ الإنسانُ طائرةً قد يشعرُ بالقلقِ، ولا يطمئنُّ قلبُه إلا إذا دَرَجَتْ عجلاتُها على أرضِ المطارِ، فيقول لزميله: حمداً لله على السلامة، وحين يركبُ الإنسانُ البحرَ، ويهيج الموجُ، تضطربُ نفسُه، فلا يطمئنُّ الإنسانُ إلا إذا كان على الأرضِ، ولكن المؤمن لا يطمئنُّ إلا إذا أرادَ اللهُ له السلامةَ، فهذه الأرضُ الثابتةُ المستقرةُ الساكنةُ قد تتحرك مِن تحت أقدامنا بين الفينةِ والأخرى، قال سبحانه وتعالى: {أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] .