ومرة: الفرض فيه خاص . ومرة الأمر فيه فرض . ومرة: الأمر فيه دلالة . وإن شاء ذو إباحة ؛ وأكثر ما فرقت بينه من هذا عندك ، حديث ترويه عن رجل ، عن آخر ، عن آخر ، أو حديثان أو ثلاثة ، حتى تبلغ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد وجدتك ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحداً لقيتموه وقدمتموه في الصدق والحفظ ، ولا أحداً لقيت ممن لقيتم من أن يغلط ، وينسى ، ويخطئ في حديثه.
بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم: أخطأ فلان في حديث كذا ، وفلان
في حديث كذا ، ووجدتكم تقولون: لو قال رجل لحديث أحللتم به ، وحرمتم من علم الخاصة: لم يقل هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أخطأتم أو من حدثكم ، وكذبتم أو من حدثكم ، لم تستتيبوه ، ولم تزيدوا على أن تقولوا له: بئس ما قلت!
أفيجوز أن يُفرَّق بين شيء من أحكام القرآن ، وظاهره واحد عند من
سمعه ، بخبر من هو كما وصفتم فيه ؛ وتقيمون أخبارهم مقام كتاب اللَّه وإنكم تعطون بها وتمنعون بها ؟
قال الشَّافِعِي رحمه الله: فقلت: إنما نعطي من وجه الإحاطة ، أو من جهة
الخبر الصادق ، وجهة القياس ، وأسبابها عندنا مختلفة ، وإن أعطينا بها كلها
فبعضها أثبت من بعض.
قال: ومثل ماذا ؟
قلت: إعطائي من الرجل بإقراره ، وبالبينة ، وإبائه اليمين وحَلِفِ صاحبه.
والإقرار أقوى من البينة ، والبينة أقوى من إباء اليمين ويمين صاحبه ، ونحن وإن أعطينا بها عطاء واحداً فأسبابها مختلفة .
قال: وإذا قمتم على أن تقبلوا أخبارهم ، ومنهم ما ذكرت من أمركم
بقبول أخبارهم وما حجتكم فيه على من ردها ؟
فقال: لا أقبل منها شيئاً إذا كان يمكن فيه الوهم ، ولا أقبل إلا ما أشهدُ به
على اللَّه ، كما أشهدُ بكتابه الذي لا يسع أحداً الشك في حرف منه ، أو يجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة وليس بها ؟!