{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (103) [النحل: 103] والإشارة إلى سلمان الفارسي، كانت الكفار يقولون: إنه يعلم محمدا أخبار الفرس وقصص الأولين، فأجيبوا بأن لسان الذي أشرتم إليه أعجمي، ولسان القرآن عربي؛ فكيف يكون تعليم البشر، وقد أورد على هذا سؤال/ [258/ل] : وهو أن يكون البشر المشار إليه يعلمه بلسانه وهو يلخصه بعبارته وفصاحته، وحينئذ لا يقدح اختلاف اللسانين في تعليم البشر له؟
ويجاب عن هذا: بأن البشر المشار إليه إن كان هو سلمان، فهو إنما أسلم بعد الهجرة بالمدينة بعد استقرار الإسلام وظهور المعجزات، وذلك لا يقدح فيما ثبت، ولو قدر أن سلمان كان يحكي له بعض أيام الفرس وقصصها على جهة التعريف بحالهم فلا يقدح في نبوة قد تقررت، ومن أين لهم أنه كان ينقل ما يسمعه من سلمان قرآنا، ولو كان ذلك
حقا لعورض، ثم ظهرت معارضته وقد كان النضر بن الحارث يتعاطى أن يعارض القرآن بما كان عنده من أحاديث الفرس مثل بهرام وإسفنديار ورستم ونحوهم؛ فعجز وقصر، وإن كان المشار إليه غير سلمان، فهو إما عربي كرحمان اليمامة الذي زعموه، أو عجمي، فالأول باطل، إذ لو صح [ذلك] لكان هذا العربي يدعي الأمر لنفسه، وهو أولى بالعلم الذي عنده يجعله دليلا على نبوته، وما كان ليؤثر بذلك على نفسه أحدا، والثاني باطل، وإلا فقد كان [بينهما ترجمان] ، فصاروا في القضية ثلاثة، وكل حديث جاوز اثنين شائع؛ فكان يجب أن يشيع ذلك ويشتهر، ويتعين فاعله، كما اشتهر أمر مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وسجاح، وغيرهم من الكذابين.
والذي يظهر لي في سبب هذه الشبهة أنها فتنة فتنهم الله - عز وجل - بها، وإن بعض كفار مكة أو غيرهم/ [121 ب/م] كشف له حتى رأى جبريل يوحي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم على صورة بشر دحية الكلبي أو غيره، فقالوا: إنما يعلمه بشر، وأشاروا إلى شخص كان جبريل على صورته.