قلت: الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونها... والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم مكان الإِسقاء الذي منه يبتدأ...
وإنما قدم قوله: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ} لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم.
وقال الآلوسي عند تفسيره لهذه الآية:"ومن تدبر في بدائع صنع الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها، والأسباب المولدة لها، وتسخير القوى المتصرفة فيها... اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه - سبحانه - وقدرته، وحكمته، وتناهى رأفته ورحمته:"
حكم حارت البرية فيها ... وحقيق بأنها تحتار
والحق، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله تعالى ونفاذ قدرته، وعجيب صنعته، حيث استخرج - سبحانه - من بين فرث ودم في بطون الأنعام، لبنا خالصا سائغا للشاربين.
قال صاحب الكشاف:
فإن قلت ما معنى"من"في قوله {أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} ؟
وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟
قلت: أريد معنى البعضية، وأن لاتبنى بيوتها في كل جبل، وكل شجر، وكل ما يعرش، ولا في كل مكان منها.
وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله: " ويتزين هذا المعنى الذي نبه عليه الزمخشري في تبعيض"من"المتعلقة باتخاذ البيوت بإطلاق الأكل، كأنه تعالى وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجر عليها فيه، وإن حجر عليها في البيوت، وأمرت باتخاذها في بعض المواضع دون بعض لأن مصلحة الأكل على الإِطلاق باستمرار مشتهاها منه، وأما البيوت فلا تحصل مصلحتها في كل موضع. ولهذا المعنى دخلت ثم في قوله {ثم كلي...} لتفاوت الأمر بين الحجر عليها في اتخاذ البيوت، والإِطلاق لها في تناول الثمرات، كما تقول: راع الحلال فيما تأكله ثم كل أي شيء شئت."
فتوسط ثم لتفاوت. الحجر والإِطلاق فسبحان اللطيف الخبير"."
(وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(84)
قال ابن عباس: شهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإِيمان والتصديق، وعليهم بالكفر والتكذيب.
وقوله: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} بيان للمصير السيئ الذي ينتظر هؤلاء الكافرين يوم القيامة.