وكون أمره بين الكاف والنون كناية عن السرعة، وإلاَّ فلا يحتاج إلى لفظ «كن» ، بل مهما أراد شيئًا، أظهره أقرب من لحظ العيون، وإنما جاءت العبارة على قدر ما تفهم العقول، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما تَعَسَّفَهُ ابن عطية وغيره من كون القول في الأزل، وإظهاره فيما لا يزال - يعني: في وقت إظهاره - فإن الكلام إنما خرج مخرج الاستعارة أو المجاز، فلا يتوقف إيجاد الأشياء على «كن» . والله تعالى أعلم.
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ(48)
أي: يميل (ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ) أي: يرجع الظل من جانب إلى جانب، أي: يميل عن الأيمان والشمائل، وذلك أن الظل من وقت طلوع الشمس إلى الزوال يكون إلى جهة، ومن الزوال إلى الغروب يكون إلى جهة أخرى. ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى طلوع الشمس.
والتفيؤ: من الفيء، وهو: الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة. وقال رُؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال: ظل وفيءٌ، ولا يقال قبله إلا ظل. ففى لفظ «يَتَفَيَّؤُا» ، هنا، تجوز.
وقال في سلوة الأحزان: فاء الظل: معناه: رجع بعكس ما كان من بكرة إلى الزوال وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى الزوال، إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت، ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو حتى تغيب الشمس فيعم. والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله تعالى فيها فيئًا لأنه لا مُذهِبَ له، ولا تكون الفيئة إلا بعد ذهاب الظل، ولا ذهاب لظل الجنة، فلا يتعقل له فيأة. اهـ. واستعمال اليمين والشمال، في غير الإنسان، تجوز فإنهما في الحقيقة خاص بالإنسان. اهـ.
حال كون تلك الأجرام، أو الظلال سُجَّداً لِلَّهِ، قيل: حقيقة. قال الضحاك: إذا زالت الشمس سَجد كل شيء قبلَ القبلة، من نباتٍ أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك الوقت.