(تنبيه)
هذا من الكلام المقلوب لأنّ الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلاً في الصفة فكان المعنى: ولا يكن الضيق فيك إلا أنَّ الفائدة في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ} هو أنَّ الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى.
المرتبة الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ} أي: الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه {مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ} أي: وجد منهم الخوف من الله تعالى واجتنبوا المعاصي {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} في أعمالهم والشفقة على خلقه، وهذا يجري مجرى التهديد لأنّ في المرتبة الأولى رغبة في ترك الانتقام على سبيل الرمز، وفي الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله تعالى: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} .
وفي المرتبة الثالثة: أمر بالصبر على سبيل الجزم، وفي هذه المرتبة الرابعة: كأنه ذكر الوعيد على فعل الانتقام فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ} أي: عن استيفاء الزيادة والذين هم محسنون أي: في ترك أصل الانتقام فكأنه تعالى قال: إن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين وهذه المعية بالرحمة والفضل والتربية، وفي قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ} إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وفي قوله: {وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} إشارة إلى الشفقة على خلق الله تعالى.
قيل لهرم بن حبان عند قرب وفاته أوصِ، فقال: إنّ الوصية في المال ولا مال لي، ولكن أوصيكم بخواتيم سورة النحل. انتهى انتهى {السراج المنير} ...