ويكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق عليّ، لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم، لا رب غيره.
4 -استنباط الأحكام من فحوى الكلام وما يصحبه من إشارات، فإن يوسف وجّه لإخوته استفهاما بمعنى التذكير والتوبيخ بقوله: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ؟ ففهموا منه أنه يوسف، فقالوا على سبيل استفهام التقرير والإثبات: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟.
ودل قوله إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ على أنهم كانوا صغارا في وقت أخذهم ليوسف، وليسوا أنبياء، لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته، ويدل على أنه حسنت حالهم الآن، أي فعلتم فعلكم إذ أنتم صغار جهال.
وتعرف إخوة يوسف عليه، فتجاوب معهم وعرفهم بنفسه قائلا: أَنَا يُوسُفُ أي أنا المظلوم.
قال ابن عباس: كتب يعقوب إلى يوسف بطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب:
من يعقوب صفيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر:
أما بعد، فإنا أهل بيت بلاء ومحن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره، ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح، ثم ابتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إلي، حتى كفّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألد سارقا، والسّلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه بالبكاء، وعيل صبره، فباح بالسرّ.
وأعلن يوسف عن مزيد فضل الله عليه بقوله: قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا أي بالاجتماع بعد الفرقة، وبالعز بعد الذل، وبالنجاة والملك.
5 -إن من اتقى الله بالتزام ما أمر واجتناب ما نهى، وصبر على المصائب وعن المعاصي، فإن الله يدخر له ثواب إحسانه العمل، ولا يضيع منه شيئا.
6 -الاعتراف بالذنب أو الخطأ سبيل الحظوة بالعفو والصفح، فإن قول إخوة يوسف: وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أي مذنبين، متضمن سؤال العفو، وقد ظفروا به.
ولا مانع من العفو عن الخطأ وإن كان عمديا، فهو تجاوز للحق، أيا كانت صفته، وكل من اقترف ذنبا متجاوز لمنهاج الحق، واقع في الشبهة والمعصية.
7 -شهد الله تعالى لنبيه يوسف عليه السّلام بصفات المتقين الصابرين المحسنين، وكفى بشهادة الحق فخرا، وهذا تعليم وتدريب ومثل عملي لنا.