وكان بين دخولهم هذا على اخيهم يوسف وبين انتصابه على خزائن الأرض وتقلده عزة مصر بعد الخروج من السجن أكثر من سبع سنين فانهم انما جاؤا إليه في بعض السنين المجدبة وقد خلت السبع السنون المخصبة ولم يروه منذ سلموه إلى السيارة يوم اخرج من الجب وهو صبى وقد مر عليه سنون في بيت العزيز ولبث بضع سنين في السجن وتولى أمر الخزائن منذ أكثر من سبع سنين وهو اليوم في زى عزيز مصر لا يظن به انه رجل عبرى من غير القبط وهذا كله صرفهم عن ان يظنوا به انه اخوهم ويعرفوه لكنه عرفهم بكياسته أو بفراسة النبوة كما قال تعالى:"وجاء اخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون".
قوله تعالى:"ولما جهزهم بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم الا ترون انى أو في الكيل وانا خير المنزلين"قال الراغب في المفردات الجهاز ما يعد من متاع وغيره والتجهيز حمل ذلك أو بعثه انتهى فالمعنى ولما حملهم ما اعد لهم من الجهاز والطعام الذي باعه منهم أمرهم بان ياتوا إليه باخ لهم من أبيهم وقال ائتونى الخ.
وقوله ألا ترون انى أو في الكيل أي لا ابخس فيه ولا اظلمكم بالاتكاء على قدرتي وعزتي وانا خير المنزلين اكرم النأزلين بي واحسن مثواهم وهذا تحريض لهم ان يعودوا إليه ثانيا ويأتوا إليه بأخيهم من أبيهم كما ان قوله في الآية التالية:"فان لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون"تهديد لهم لئلا يعصوا أمره وكما ان قولهم في الآية الاتية:"سنراود عنه اباه وانا لفاعلون"تقبل منهم لذلك في الجملة وتطييب لنفس يوسف (عليه السلام) .
ثم من المعلوم ان قوله (عليه السلام) أو ان خروجهم"ائتونى بأخ لكم من أبيكم"مع ما فيه من التأكيد والتحريض والتهديد ليس من شأنه ان يورد كلاما ابتدائيا من غير مقدمة وتوطئة تعمي عليهم وتصرفهم ان يتفطنوا أنه يوسف أو يتوهموا فيه ما يريبهم في أمره.
وهو ظاهر.