فما دامت النقود سوف تُدفع ؛ فأنت تريد أن تتخلص من النقود القديمة ؛ وتفعل ذلك وأنت مُرتاح ، وبذلك يمكننا أن نفهم معنى:
{بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} [يوسف: 88] .
على أنها بِضَاعة رديئة .
فكأن الضُّرَّ الذي أصابهم جعلهم عاجزين عن دفع الأثمان للمَيْرة التي سوف يأخذونها ، مثل الأثمان السابقة التي تميزت بالجودة .
ويتابع الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم:
{فَأَوْفِ لَنَا الكيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ الله يَجْزِي المتصدقين} [يوسف: 88] .
أي: أنهم يرجونه أن يُوفِّي لهم الكيل ولا ينقصه ؛ إنْ كان ما جاءوا به من أثمان لا يُوفى ما تساويه المَيْرة ، وطالبوه أن يعتبر تلك التَّوْفِية في الكَيْل صدقة .
وبذلك رَدُّوه إلى ثمن أعلى مما حملوه من أثمان ، وفوق قدرة البشر على الدَّفْع ؛ لأن الصدقة إنما يُثيب عليها الحق سبحانه وتعالى .
ولقائل أن يسأل: أليسوا أبناء نبوة ، ولا تجوز عليهم الصدقة؟
نقول: إن عدم جواز الصدقة هو أمر اختصَّ به الحق سبحانه آل محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو أمر خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ، إنما هي أوساخ الناس".
وانظر إلى ما فعلته الترقيقات التي قالوها ؛ نظر إليهم يوسف عليه السلام وتبسم ، ولما تبسَّم ظهرت ثناياه ، وهي ثنايا مميزة عن ثنايا جميع مَنْ رأوه .
وجاء الحق سبحانه بما قاله: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ...} .
ومجيء هذا القول في صيغة السؤال ؛ يدفعهم إلى التأمل والتدقيق ؛ لمعرفة شخصية المُتحدِّث .
ثم يأتي التلطُّف الجميل منه حين يضيف:
{مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89] .
وفي هذا القول ما يلتمس لهم به العُذْر بالجهل ، ولم يتحدث إليهم بعِزَّة الكبرياء ، وغرور المكانة التي وصل إليها ، وهدفه أن يخفف عَنهم صَدْمة المفاجأة ، فذكر لهم أنهم فعلوا ذلك أيام جهلهم .