وقد روى الشيخان من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم بكى على ولده إبراهيم وقال:"إن العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"وإنما المنهي عنه ما يفعله الجهلة من النياحة ولطم الخدود والصدور وشق الجيوب وتمزيق الثياب.
ورويا أيضاً من حديث أسامة أنه صلى الله عليه وسلم رفع إليه صبي لبعض بناته يجود بنفسه فأقعده في حجره ونفسه تتقعقع كأنها في شن ففاضت عيناه عليه الصلاة والسلام فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله تعالى فيمن شاء من عباده وإنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء.
وفي"الكشاف"أنه قيل له عليه الصلاة والسلام: تبكي وقد نهيتنا عن البكاء؟ قال.
ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين صوت عند الفرح وصوت عند الترح.
وعن الحسن أنه بكى على ولد أو غيره فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت الله تعالى جعل الحزن عاراً على يعقوب عليه السلام.
{فَهُوَ كَظيمٌ} أي مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره ، وقيل: مملوء من الحزن ممسك له لا يبديه ، وهو من كظم السقاء إذا شده بعده ملئه ، ففعيل بمعنى مفعول أي مكظوم فهو كما جاء في يونس عليه السلام {إذ نادى وهو مكظوم} [القلم: 48] ويجوز أن يكون بمعنى فاعل كقوله تعالى: {والكاظمين} [آل عمران: 134] من كظم الغيظ إذا تجرعه أي شديد التجرع للغيظ أو الحزن لأنه لم يشكه إلى أحد قط ، وأصله من كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه فكأنه عليه السلام يرد ذلك في جوفه مرة بعد أخرى من غير أن يطلع أحداً عليه.
وفي الكلام من الاستعارة على الوجهين ما لا يخفى ، ورجح الأخير منهما بأن فعيلاً بمعنى فاعل مطرد ولا كذلك فعيلاً بمعنى مفعول.