على المجاز، قال: والأول هو الأثبت، لموافقته مذاهب العرب، ومشاكلته ألفاظًا من القرآن، وأكثر المفسرين على أنهم ما عرفوا حقيقة الحال فنسبوا إليه السرق، على ما رأوه من ظاهر الأمر، ولهذا قالوا: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} ، قال ابن عباس: يريد بما ظهر.
قال ابن إسحاق: معناه: ما قلنا أنه سرق إلا بما علمنا؛ لأنه وجدت السرقة في رحله ونحن ننظر.
قال أبو علي الفارسي: شهد الذي يراد به علم هو ضرب من العلم مخصوص، وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة، ومما يدل على اختصاصه أنه لو قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد، فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، فليس كل علم تيقنًا، وإن كان كل تيقن علمًا.
وذكرنا حقيقة التيقن عند قوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} فمعنى أشهد على كذا: أعلمه علمًا بحصري، وقد تذلل لي التوقف عنه ولا أثبت لوضوحه عندي، ويدل على أن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم قوله: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} وليس يتجه حمله على هذا، فعلم أن معناه ما ذكرناه، وشهد في هذا الوجه يتعدَّى بحرف جر، فتارةً يكون بالباء
كهذه الآية، وكقوله: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] ،، وأخرى يكون بعلى كقوله: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21] . وقوله تعالى: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ} [فصلت: 20] .
وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} قال ابن عباس: لم نعلم ما كان يصنع في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، وتلخيص هذا القول أنهم قالوا: ما كنا لغيب ابنك حافظين، أي: كنا نحفظه في محضره، فإذا غاب عنا في الأحوال التي ينفرد فيها، استترت عنا أموره وخفيت علينا حالاته.
وقال مجاهد وقتادة والحسن: ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا، ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به، وإنما ضمنا حفظه مما لنا إلى حفظه منه سبيل.