ثم قال كبيرهم مخاطباً لهم {ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يأَبَانَا إِنَّ ابنك سَرَقَ} : قرأ الجمهور {سرق} على البناء للفاعل ، وذلك لأنهم قد شاهدوا استخراج الصواع من وعائه.
وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو رزين على البناء للمفعول ، وروى ذلك النحاس عن الكسائي.
قال الزجاج: إنّ سرق يحتمل معنيين: أحدهما علم منه السرق ، والآخر اتهم بالسرق {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} من استخراج الصواع من وعائه ، وقيل المعنى: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترق إلا بما علمنا من شريعتك وشريعة آبائك {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين} حتى يتضح لنا هل الأمر على ما شاهدناه أو على خلافه؟ وقيل: المعنى ما كنا وقت أخذنا له منك ليخرجا معنا إلى مصر للغيب حافظين بأنه سيقع منه السرق الذي افتضحنا به.
وقيل: الغيب هو الليل ، ومرادهم أنه سرق وهم نيام ، وقيل: مرادهم أنه فعل ذلك وهو غائب عنهم ، فخفي عليهم فعله.
{واسئل القرية التي كُنَّا فِيهَا} هذا من تمام قول كبيرهم لهم أي: قولوا لأبيكم: أسأل القرية التي كنا فيها أي: مصر ، والمراد أهلها أي: أسأل أهل القرية ؛ وقيل: هي قرية من قرى مصر نزلوا فيها وامتاروا منها.
وقيل: المعنى: واسأل القرية نفسها وإن كانت جماداً فإنك نبيّ الله ، والله سبحانه سينطقها فتجيبك.
ومما يؤيد هذا أنه قال سيبويه: لا يجوز كلم هنداً وأنت تريد غلام هند {والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي: وقولوا لأبيكم اسأل العير التي أقبلنا فيها أي: أصحابها وكانوا قوماً معروفين من جيران يعقوب {وِإِنَّا لصادقون} فيما قلنا.
جاءوا بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد ، لأن ما قد تقدّم منهم مع أبيهم يعقوب يوجب كمال الريبة في خبرهم هذا عند السامع.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} قال: يعنون يوسف.