وجاءَت هذه الآية لتبين أول الخطوات التي اتخذها يوسف لإحضار أسرته إِليه، وهي طلبه من إخوته هؤلاءِ أَن يحضروا أَخًا لهم من أبيهم.
ويظهر أَنه جرى من الحديث بينه وبينهم ما جعلهم يصرحون بأن لهم أخًا من أبيهم لم يحضروه معهم، حتى يكون مجرى الحديث هو الذي حمل يوسف ظاهرًا على أن يطلبه بالذات، حتى لا يثير انتباههم إِلى السبب الحقيقى في طلبه.
والمعنى: ولمَّا جَهَّز يوسف إخوته بالطعام الذي طلبوه من الحَبِّ الذي استبقاه في سنابله لزمن المجاعة، قال لهم ائتونى بأَخ لكم من أَبيكم ليتبين صدقكم في طلب حمل زائد على أحمالكم أَجله.
(أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) :
أَي أَلا تنظرون أَننى أعطى الكيل وافيًا تامًّا لكم ولكل الناس بالعدل، وأَنا أفْضَلُ المضيفين، ومن أَجل ذلك لا أحب أَن يكذب عَلَيَّ أَحد بأَخذ ما لا يستحقه، حتى لا يحرم رب أسرة آخر من حقه في الطعام، ولهذا طلبت أَن أَرى أَخاكم بنيامين الذي طلبتم له الطعام لكي أَتحقق من صدقكم.
60 - {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ} :
أَى فإِن لم تأْتونى بأَخ لكم من أَبيكم، فلا طعام أَكيله لكم مستقبلا، ولا تقربون مني بنزولكم عندي في ضيافتى، يريد بذلك تهديدهم بالحرمان من الطعام وحسن الضيافة بعد هذه المرَّة، كلما احتاجوا إِليه في السنين العجاف ما لم يأتوه بأَخيهم من أَبيهم.
61 - {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} :
أَثَّر فيهم تهديد يوسف لهم بالحرمان من الطعام مستقبلا فقالوا له: سنحاول مع أَبيه يعقوب ونحتال في أَخذه منه ونجتهد في ذلك - يشيرون بذلك إِلى عِزَّةِ وصعوبة مناله.
ومع صعوبته وَعَدُوا يوسف بتحقيقه بقولهم له: (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ) . مرضاة له وتفويتًا لما اعتقدوا أَنه تسرب إِلى ذهنه من أَنهم كاذبون، فإِن قيل إِن طلب يوسف لبنيامين، سوف يدخل الحزن على أَبيه فما حكمة ذلك؟ وقد أجيب عن ذلك بعدة أَجوبة، منها: أَن ذلك كان بأَمر من الله ابتلاءً ليعقوب، ليعظم ثوابه ولكى تتضاعف مسرته برجوع ولديه، إِلى آخر ما قيل في ذلك.