فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً أي فإني أثق به وأتوكّل عليه وأفوض أمري إليه، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي هو أرحم الرّاحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي وتعلّقي بولدي، وأرجو الله أن يرحمني بحفظه، وأن يردّه عليّ، ويجمع شملي به، إنه أرحم الرّاحمين.
وهذا دليل على موافقته على إرساله معهم، للحاجة الشّديدة إلى الطعام، وعدم ملاحظته وجود قرائن تدلّ على الحسد والحقد فيما بينهم وبين بنيامين، خلافا لحال يوسف.
ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وأوعية طعامهم، وجدوا فيها بضاعتهم أي ثمن الطعام، ردّت إليهم، وهي التي كان يوسف أمر غلمانه بوضعها في رحالهم.
فلما وجدوها في رواحلهم قالوا: يا أبانا، ماذا نريد زيادة على هذا الإكرام وإحسان الملك إلينا، كما حدثناك، هذه دراهمنا ردّها إلينا، وإذا ذهبنا بأخينا نزداد كيل بعير بسبب حضوره. وهذا إذا جعلت ما استفهامية، فإن كانت نافية كان المعنى: لا نبغي شيئا آخر، هذه بضاعتنا ردّت إلينا، فهي كافية لثمن الطعام في الذّهاب الثّاني، ثم نفعل كذا وكذا من جلب الميرة وغيرها.
إننا إذا ذهبنا مع أخينا في المرّة الثّانية وأرسلته معنا، نأتي بالميرة إلى أهلنا من مصر.
ونحفظ أخانا بنيامين بعنايتنا ورعايتنا، فلا تخف عليه.
ونزيد مكيال بعير لأجله، لأن عزيز مصر كان يعطي لكلّ رجل حمل بعير، دون زيادة ولا نقص، اقتصادا وحسن تدبير.
وذلك الحمل الزّائد أمر يسير قليل، أو سهل لا عسر فيه على هذا الرّجل السّخي الرّحيم في مقابلة أخذ أخينا.
قال يعقوب، وقد تذكّر ماضي يوسف: لن أرسل بنيامين معكم حتى تعاهدوني عهدا موثقا باليمين، لتعودنّ به على أي حال كنتم، إلا في حال يمتنع ذلك عنكم بأن تهلكوا وتموتوا أو تغلبوا على أمركم وتقهروا كلكم، ولا تقدرون على تخليصه. ويلاحظ أن العهد المؤكّد باليمين يسمّى يمينا، وإن أكّد ووثّق بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به بغير اليمين يسمّى ميثاقا.
فلما آتوه أي أعطوه موثقهم، أي عهدهم المؤكّد باليمين، قال يعقوب: الله على ما نقول جميعا وكيل، أي شهيد رقيب حفيظ مطّلع، وأفوض أمري إليه، وقد وافق على إرساله اضطرارا من أجل الميرة التي لا غنى لهم عنها.