هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهراً عن جميع العيوب ، وههنا دقيقة ، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال: {مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عليها ، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل ، ورأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر ، فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة ، فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك ، فإني مقر بصدقها في دعواها ، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك.
المسألة الثانية:
قال أهل اللغة: {حَصْحَصَ الحق} معناه: وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم: حصحص البعير في بروكه ، إذا تمكن واستقر في الأرض.
قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة ، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.
المسألة الثالثة:
اختلفوا في أن قوله: {ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب} كلام من ؟ وفيه أقوال:
القول الأول: وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام.
قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى: {إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل: 34] وهذا كلام بلقيس.
ثم إنه تعالى قال: {وكذلك يَفْعَلُونَ} وأيضاً قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [آل عمران: 9] كلام الداعي.
ثم قال: {إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد} بقي على هذا القول سؤالات: