وانتقل القرآن من طلب الإرسال إلى لقاء يوسف عليه السلام ؛ فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ساقي الملك:
{يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ}
وقوله: {أَيُّهَا الصديق} [يوسف: 46] .
يدل على أنه قد جرَّبه في مسائل متعددة ، وثبت صدقه .
و"صِدِّيق"لا يقتصر معناها على أنه صادق في كل أقواله ؛ وصادق في كل أفعاله ، وصادق في كل أحواله ، ولكن معناها يتسع لِيدُلَّنا على أن الصدق ملازم له دائماً في القول وفي الفعل .
أما في الأقوال فصدقه واضح ؛ لأنه يقول القضية الكلامية ولها واقع من الخارج يدلُّ عليها .
وأما صدق الأفعال فهو ألاَّ تُجرِّب عليه كلاماً ، ثم يأتي فعله مخالفاً لهذا الكلام ؛ وهذا هو مَنْ نطلق عليه"صِدِّيق".
ونحن نعلم أن حركات الإنسان في الحياة تنقسم قسمين ؛ إما قول وإما فعل ؛ والقول أداته اللسان ، والفعل أداته كل الجوارح .
إذن: فهناك قول ، وهناك فعل ؛ وكلاهما عمل ؛ فالقول عمل ؛ والرؤية بالعين عمل ؛ والسمع بالأذن عمل ، والمسُّ باليد عمل .
لكن القول اختصَّ باللسان ، وأخذتْ بقية الجوارح الفعل ؛ لأن الفعل هو الوسيلة الإعلامية بين متكلم وبين مخاطب ، وأخذ شق الفعل .
وهكذا نعلم أن الفعل قسمان: إما قول ؛ وإما فعل .
والصَّدِّيق هو الذي يصدُق في قوله ، بأن تطابق النسبة الكلامية الواقع ، وصادق في فعله بألاَّ يقول ما لا يفعل .
ولذلك قال الحق سبحانه: {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] .
ونعلم أن ساقي الملك كانت له مع يوسف تجربتان:
التجربة الأولى: تجربة مُعَايشته في السجن هو وزميله الخباز ، وقولهما له: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] .