يقول الله عز من قائل: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ(35)
الآيات التي رأوها هي ما شاهدوه على جماله وحسنه من
شواهد البراءة من الريبة والنزاهة عن الفحشاء حتى أكبرنه (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ) أي:
في أن يكون هذا يفعل سوءًا أو يقاربه هذا الذي عليه وقار الملائكة، وسمتهم لا
سمت بشر ولا حلية آدمي، وكان السجن ليوسف - عليه السَّلام - عصمة، ولله فيه من أجله
حكمة، وعليه نعمة غيَّبه لحسنه وجماله عن أعين الناس وحجبه عن الفتن، وكان
ذلك له ولأمثاله بمنزلة التخلي عن الناس والتوحش منهم، والهرب عن الأهل
والمال حتى يستقيم أمره ويحين وقته.
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ...(36) . وقرأ
عبد الله والضحاك:"أعصر عنبًا"(وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا
تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)هذا من آيات الله
الظاهرة على كريم سجيته وهيئته، كان القوم كُفَّارا والمعهود أن المحسنين على
الأغلب أسبق الجملة فما كان يسبق على حسنه وجماله إلى قلوب الرائين له إلا
الإعظام والإجلال ذكر فيما ذكر عنه أنه كان في أهل السجن مصلحًا يطعم الجائع،
ويؤنس الخائف، ويصلح بين المتباغضين، ويعلِّم جاهلهم ويعظهم، ولما رأى
الفتيان من إصلاح شأنه قصَّا عليه ما رأياه وقالا له:(نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ).
فنص الله - جل ذكره - على لسان الفتيين ما تقدم ذكره من آيات الله - جل
ذكره - الظاهرة عليه، الفائضة عليه من بركة باطنة، فصدق شأنه المتصل بالآل الذي
فيه من القريب الرحيم، فهو لا يراه أحد إلا أكبره وأعظمه، ولما قال له الفتيان ذلك
الكلام توجه عليه فرض التبليغ عن ربه - عز جلاله - وقد وجد له موضعًا فأضرب
عن التعبير؛ ليغتنم في حاله تلك تفرغهما إليه واستماعهما له، فأخذ عليه الكلام في