وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أُغِيثُوا وَعُصِرُوا: أُغِيثَ النَّاسُ الَّذِينَ كَانُوا بِنَاحِيَتِهِمْ وَعُصِرُوا، وَكَذَلِكَ كَانُوا إِذَا أُغِيثَ النَّاسُ بِنَاحِيَتِهِمْ وَعُصِرُوا، أُغِيثَ الْمُخَاطَبُونَ وَعُصِرُوا، فَهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ.
وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِمَّنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيهِ عَلَى مَذْهَبِ كَلَامِ الْعَرَبِ يُوَجِّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} إِلَى: وَفِيهِ يَنْجُونَ مِنَ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ بِالْغَيْثِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنَ الْعَصْرِ، وَالْعَصْرُ الَّتِي بِمَعْنَى الْمَنْجَاةِ، مِنْ قَوْلِ أَبِي زُبَيْدٍ الطَّائِيِّ:
[البحر الخفيف]
صَادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... ولَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ الْمَنْجُودِ
أَيِ الْمَقْهُورِ، وَمِنْ قَوْلِ لَبِيدٍ:
[البحر الطويل]
فَبَاتَ وَأَسْرَى الْقَوْمُ آخِرَ لَيْلِهِمْ ... وَمَا كَانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ
وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ يَكْفِي مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطَئِهِ، خِلَافُهُ قَوْلَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي رَوَى الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَخِلَافُ مَا يُعْرَفُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 13/}