عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:"ثُمَّ زَادَهُ اللَّهُ عِلْمَ سَنَةٍ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهَا، فَقَالَ: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} "
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ} بِالْمَطَرِ وَالْغَيْثِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ وَالسِّمْسِمَ وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} السِّمْسِمَ دُهْنًا، وَالْعِنَبَ خَمْرًا، وَالزَّيْتُونَ زَيْتًا"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} وَفِيهِ يَحْلِبُونَ.
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ:"كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: «وَفِيهِ تَعْصِرُونَ» بِالتَّاءِ، يَعْنِي تَحْتَلِبُونَ"
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى مَا وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: عَصْرَ الْأَعْنَابِ وَالْأَدْهَانِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (وَفِيهِ تَعْصِرُونَ) بِالتَّاءِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: «وَفِيهِ يُعْصَرُونَ» بِمَعْنَى: يُمْطَرُونَ، وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِخِلَافِهَا مَا عَلَيْهِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ لِقَارِئِهِ الْخِيَارَ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ شَاءَ، إِنْ شَاءَ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى الْخَبَرِ بِهِ عَنِ النَّاسِ، عَلَى مَعْنَى: {فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أَعْنَابَهُمْ وَأَدْهَانَهُمْ. وَإِنْ شَاءَ بِالتَّاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: {إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} وَخِطَابًا بِهِ لِمَنْ خَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا
مِمَّا تُحْصِنُونَ لِأَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ بِاتِّفَاقِ الْمَعْنَى، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَلْفَاظُ بِهِمَا.