{أَفْتنَا في سَبْع بَقَرَات سمَان يَأكُلُهُنَّ سَبْعٌ عجَافٌ وَسَبْع سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات} أي في رؤيا ذلك ، وإنما لم يصرح به لوضوح مرامه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدلالة مضمون الحادثة عليه حيث إن مثله لا يقع في عالم الشهادة ، والمعنى بين لنا مآل ذلك وحكمه.
وعبر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبه أولاً {نبئنا بتأويله} [يوسف: 36] تفخيماً لشأنه عليه السلام حيث عاين رتبته في الفضل ، ولم يقل: أفتني مع أنه المستفتي وحده إشعاراً بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة وأنه في ذلك معبر وسفير ، ولذا لم يغير لفظ الملك ، ويؤذن بهذا قوله: {لَّعَلِّي أَرْجعُ إلَى النَّاس} أي غلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد فأنبئهم بما أفتيت {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلص منه.
والجملة عند أبي حيان على الأول كالتعليل للرجوع وعلى الثاني كالتعليل لأفتنا - وإنما لم يبت القول بل قال: {لعلي} و {لعلهم} مجاراة معه عليه السلام على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع:
فبينما المرء في الأحياء مغبط...
إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه إما لعدم فهمهم أو لعدم اعتمادهم.
{قَالَ} مستأنف على قياس ما مر غير مرة {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سنينَ دَأَباً} قرأ حفص بفتح الهمزة والجمهور بإسكانها ، وقرئ - داباً - بألف من غير همز على التخفيف ، وهو في كل ذلك مصدر لدأب وأصل معناه التعب ، ويكنى به عن العادة المستمرة لأنها تنشأ من مداومة العمل اللازم له التعب ، وانتصابه على الحال من ضمير {تزرعون} أي دائبين أو ذوي دأب ، وأفرد لأن المصدر الأصل فيه الإفراد أو على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أي تدأبون دأباً.