فأنسى الشيطان ذلك الناجي تذكير الملك بقصة يوسف، وكان النسيان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يخرج نبي الله يوسف من السجن، فيدعو إلى توحيد الله وعبادته، ومقاومة الشرك، ومطاردة وساوس الشيطان.
فلبث يوسف في السجن منسيا مظلوما بضع سنين أي من الثلاث إلى التسع، قيل: إنه مكث سبعا، قال وهب بن منبّه: مكث أيوب في البلاء سبعا، ويوسف في السجن سبعا، وعذب بختنصّر سبعا. وقال مقاتل: مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا.
وقال ابن عباس: ثنتا عشرة سنة، وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.
والرأي الأول أصح لأنه داخل في معنى البضع.
ومن المعلوم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة، إلا أن
الأولى بالصدّيقين ألا يلجأوا إلا إلى الله في رفع الأسباب، فهو مسبب الأسباب ورافعها.
روي أن جبريل جاء إلى يوسف، وهو في السجن، معاتبا له إذ استغاث بالآدميين، فقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟
قال: الله تعالى، قال: فكيف تركت ربك، فلم تسأله، ووثقت بمخلوق؟! قال: يا ربّ، كلمة زلّت مني، أسألك يا إله إبراهيم وآله والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يلي:
1 -إن تعبير الرؤيا يعتمد على العلم والصلاح والتقوى، فلا يفيد ذلك من العالم إلا الظن، وأما يوسف عليه السّلام فكان تعبيره الرؤيا مقترنا بالوحي من ربه، فيفيد اليقين.
2 -من كذب في رؤياه، ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قال: العلماء:
لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، فأوجد الله تعالى ما أخبر به الرائي كما قال، تحقيقا لنبوته.
3 -الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة، لا إنكار عليه،
لكن الأمر بالنسبة ليوسف الصدّيق كان خلاف الأولى لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
4 -كان من جملة مكايد الشيطان إنساء الناجي من السجن تذكير مولاه الملك بقصة يوسف عليه السّلام، لئلا يطلع من السجن.