فكل نفس تعرف السوء ، وكل نفس تعرف الإحسان ، ولكن الناس ينظرون إلى الإحسان وإلى السوء بذاتية أنفسهم ، ولكنهم لو نظروا إلى مجموع حركة المتحركين في الكون ، ونظروا إلى أيِّ أمر يتعلق بالغير كما يتعلق بهم ؛ لَعرفوا أن الإحسان قَدْر مشترك بين الجميع .
ونجد اللص على سبيل المثال لا يسيئه أن يسرق أحداً ، لكن يسيئه لو أن أحداً قام بسرقته ، وهكذا نرى الإحسان وقد انتفض في أعماقه حين يتوجه السوء إليه ، ويعرف حينئذ مقام الإحسان ، ولكنه حين يمارس السرقة ؛ ويكون السوء متوجهاً منه إلى الغير ؛ فهو يغفل عن مقام الإحسان .
إذن: إنْ أَردتَ أن تعرف مقام الإحسان في مقاييس الفضائل والأخلاق ؛ فافهم الأمر بالنسبة لك إيجاباً وسَلْباً .
والمثال الذي أضربه دائماً هو: قبل أن تَمُدَّ عينيك إلى محارم غيرك ، وتعتبر أن هذا ليس سوءً ، هنا عليك أن تعرف مقياسه من الحُسْن إن نقلتَ الأمر إلى الصورة العكسية ؛ حين تتجه عيون الغير إلى محارمك .
هنا ستجد الميزان ميزانك للأمور وقد اعتدل .
وإذا أردتَ اعتدال الميزان في كل فعل ؛ فانظر إلى الفعل يقع منك على غيرك ؛ وانظر إلى الفعل يقع من الغير عليك ؛ وانظر إلى الراجح في نفسك من الأمرين ستجد قب الميزان منضبطاً .
وأقول دائماً: إن الحق سبحانه حين حرَّم عليك أن تسرق غيرك ، لم يُضيِّق حريتك ؛ بل ضيِّق حرية الملايين كي لا يسرقوك ، وهذا مكسب لك .
إذن: فالذي يعرف مقام الإحسان ؛ لا ينسب الفعل الصادر منه على الغير ؛ والفعل الصادر من الغير عليه ؛ بل ينظر إليهما معاً ؛ فما استقبحه من الغير عليه ؛ فليستقبحه منه على الغير .
وقد حكم السجينان على يوسف أنه من المحسنين ، وعَلِم يوسف عليه السلام من حكمهما عليه أن مقاييس الإحسان موجودة عندهما ؛ ولذلك نظر إلى الأمر الذي جاءاه من أجله ، واستغل هذه المسألة ؛ لا لقضاء حاجتهما منه ؛ ولكن لقضاء حاجته منهما .