وماذا عن حال يوسف في السجن؟
يقول الحق سبحانه: {وَدَخَلَ مَعَهُ السجن ... .} .
المعية التي دخل فيها اثنان من الفتية معه السجن هي معية ذات ، وقِيلَ: إنهما الخبَّاز والساقي ، وقيل: إن سبب دخولهما هو رغبة بِطَانة عزيز مصر في التشويش على ما حدث من فضيحة كبرى ؛ هي فَضيحة مراودة امرأة العزيز ليوسف ؛ ورفض يوسف لذلك .
وكان التشويش هو إذاعة خبر مؤامرة على العزيز ؛ وأن الساقي والخباز قد تم ضبطهما بمحاولة وضع السُّمِّ للعزيز .
وبعد فترة من حياة الاثنين مع يوسف داخل السجن ، وبعد معايشة يومية له تكشَّف لهما سلوك يوسف كواحد من المحسنين .
وحدث أن رأى كل منهما حُلْماً ، فقررا أن يطلبا منه تأويل هذين الحُلْمين ، والسجين غالباً ما يكون كثير الوساوس ، وغير آمن على غَدِه ؛ ولذلك اتجها إليه في الأمر الذي يُهِمهم:
{قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] .
ومن سياق الكلام نعرف أننا أمام حُلْمين ؛ فواحد منهما رأى في منامه أنه يعصر خمراً ، ورأى الثاني أنه يحمل خُبْزاً فوق رأسه تأكل منه الطير ، واتجه كلاهما أو كُلٌّ منهما على حِدَة يطلبان تأويل الرؤيتين المناميتيْنِ ، أو أنهما قد طلبا نبأ تَأويل هذا الأمر الذي رأياه .
وحيثية لجوئهما إليه هو قولهما:
{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] .
وهذا يدل على أن الإحسان أمر معلوم لكل البشر ، حتى أصحاب النفوس المنحرفة ، فلا أحد يمكن أن يحكم على آخر أنه محسن إلا إذا وافق عملُه مقاييسَ الإحسان في ذهن مَنْ يصدر هذا الحكم .