فَبَكَتْ، فَقَالَ عُمَرُ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا يَا أَبَا الْحَسَنِ كُلُّ النِّسَاءِ يَفْعَلْنَ هَذَا، ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ فَكَانَتْ تَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَكْرَهُ خُرُوجَهَا وَيَتَحَّرَجُ مِنْ مَنْعِهَا فَخَرَجَتْ لَيْلَةً إِلَى الْمَسْجِدِ وَخَرَجَ الزُّبَيْرُ فَسَبَقَهَا إِلَى مَكَانٍ مُظْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهَا فَلَمَّا مَرَّتْ بِهِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهَا فَرَجَعَتْ تَنْشَجُ ثُمَّ لَمْ تَخْرُجْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ مَالَكِ لَا تَخْرُجِينَ إِلَى الْمَسْجِدِ كَمَا كُنْتِ تَفْعَلِينَ فَقَالَتْ فَسَدَ النَّاسُ فَقَالَ أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَلَيْسَ غَيْرُكَ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ وَلَمْ تَخْرُجْ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا الزُّبَيْرُ.
(فَصْلٌ)
وَمِمَّا يُدَاوَى بِهِ الْبَاطِنُ أَنْ تَفَكَّرَ فَتَعْلَمَ أَنَّ مَحْبُوبَكَ لَيْسَ كَمَا فِي نَفْسِكَ
فَأَعْمِلْ فِكْرَكَ فِي عُيُوبِهِ تَسْلُ فَإِنَّ الآدَمِيَ مَحْشُوٌّ بِالأَنْجَاسِ وَالأَقْذَارِ وَإِنَّمَا يَرَى الْعَاشِقُ مَعْشُوقَهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ وَلا يُصَوِّرُ لَهُ الْهَوَى عَيْبًا لأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا تَنْكَشِفُ إِلا مَعَ الاعْتِدَالِ، وَسُلْطَانِ الْهَوَى حَاكِمٌ جَائِرٌ يُغَطِّي الْمَعَايِبَ فَيَرَى الْعَاشِقَ الْقَبِيحَ مِنْ مَعْشُوقِهِ حَسَنًا.
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: قَالَ لِي الرَّشِيدُ مَا حَدُّ الْعِشْقِ وَصِفَتُهُ فَقُلْتُ أَنْ تَكُونَ رِيحُ الْبَصَلِ مِنَ الْمَعْشُوقِ أَطْيَبُ عِنْدَ الْعَاشِقِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ مَعَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْحُكَمَاءُ عَيْنُ الْهَوَى عَوْرَاءُ.
بِهَذَا السَّبَبُ يُعْرِضُ الإِنْسَانُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَيُؤْثِرُ عَلَيْهَا الأَجْنَبِيَّةَ وَقَدْ تَكُونُ الزَّوْجَةُ أَحْسَنُ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُيُوبَ الأَجْنَبِيَّةِ لَمْ تَبِنْ لَهُ وَقَدْ تُكْشِفُهَا الْمُخَالَطَةُ وَلِهَذَا إِذَا خَالَطَ هَذِهِ الْمَحْبُوبَةِ الْجَدِيدَةِ وَكَشَفَتْ لَهُ الْمُخَالَطَةُ مَا كَانَ مَسْتُورًا مَلَّ وَطَلَبَ أُخْرَى إِلَى مَا لَا نِهَايَةٍ لَهُ.