قَالَ فَخَرَجَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَتْهَا وَأَخَبْرَتْهَا بِمَقَالَتِهِ فَجَعَلَتْ تَبْكِي ثُمَّ قَالَتْ لَهَا فَكَيْفَ كَانَ إِنْصَاتُهُ لِكَلامِكِ حِينَ أَنْشَدْتِهِ الشِّعْرَ؟
قَالَتْ يَا أُخْتَاهُ رَأَيْتُ رَجُلا مُزْوَرًّا مُسْتَوْقِرًا كَأَنَّهُ قَدْ نَصَبَ الآخِرَةَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَأَبْقِي عَلَى نَفْسِكِ وَلا تُهْلِكِيهَا فَتَنْدَمِي حِينَ لَا تُغْنِي النَّدَامَةُ.
قَالَ فَلَزِمَتْ مَنْزِلَهَا وَقَالَتْ وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ أَبَدًا وَلأَجْعَلَنَّهُ قَبْرِي أَيَّامَ حَيَاتِي.
قَالَ ثُمَّ لَزِمَتِ الصَّلاةَ فَكَانَتْ لَا تَهْتَدِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مِنَ الصَّلاةِ فَكَانُوا يَسْمَعُونَهَا فَكَانَتْ تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ
فَقَالَتْ
إِنِّي وَاللَّهِ قَدْ غَلَبَ عَلَى قَلْبِي ذِكْرُهُ حَتَّى لَا يُفَارِقَنِي وَإِنِّي لأَذْكُرُ ذُنُوبِي فَأَبْكِي عَلَى تَفْرِيطِي ثُمَّ أَذْكُرُهُ فَأَبْكِي عَلَيْهِ فَيَهِيجُ مِنْ قَلْبِي شَجْوٌ لَا يُشْبِهُهُ شَجْوٌ وَإِنِّي أَسْأَلُ الَّذِي حَرَمَنِي قُرْبَهُ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُنْسِيَنِي ذِكْرَهُ وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي دَارِهِ.
قَالَ وَمَرِضَتْ مَرَضًا شَدِيدًا وَبُلِيَتْ فِي بَدَنِهَا بَلاءً عَظِيمًا قَالَ فَكَانَ الْمُعَالِجُ إِذَا بَدَأَ بِمُعَالَجَتِهَا حَادَثَهَا فَيَقُولُ يَا فُلانَةُ مَا هَذَا الْجَزَعُ الَّذِي تَجْزَعِينَ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلا هُوَ أَهْيَأُ وَلا أَحْسَنُ هَدْيًا وَلا أَصْبَرُ عَلَى بَلاءٍ إِذَا نَزَلَ بِهِ مِنْ فَتَى فِي جِيرَانِي يُقَالُ لَهُ فُلانٌ يَعْنِي صَاحِبَهَا فَتَسْكُتُ ثُمَّ تَقُولُ هِيَ حَدِّثْنِي وَهُوَ يُقَطِّعُ مِنْ لَحْمِهَا وَكَأَنَّهَا لِمَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهَا مِنَ الْمَحَبَّةِ لِذِكْرِهِ لَا تُحِسُّ بِمَا يُصْنَعُ بِهَا فَإِذَا كَفَّ عَنْ ذِكْرِهِ تَوَجَّعَتْ وَجَزَعَتْ فَمَا زَالَتْ فِي حَالِهَا تِلْكَ حَتَّى مَاتَتْ.
فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي جَنَازَتِهَا مُغَطَّى الرَّأْسِ حَتَّى دَفَنَهَا وَكُنْتُ كَثِيرًا إِذَا مَرَرْتُ بِالْمَقَابِرِ أُرَاهُ عِنْدَ قَبْرِهَا.