أَفِي النُّسْكِ أَنْ لَا تَرْحَمَ الْيَوْمَ عَاشِقًا ... شَكَا حُرْقَةً فِي الْقَلْبِ مِنْ ظَالِمٍ لَهَا.
قَالَ وَبَعَثَتْ بِهَا إِلَيْهِ وَقَالَتْ لِلرَّسُولِ أخبريه بِمَا ترى مِنْ شِدَّةِ الأَلَمِ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُسَهِّلَ أَمْرَهُ وَيُعَطِّفَ قَلْبَهُ وَلا تُقَصِّرِي فِي تَرْغِيبِهِ فِيَّ وَمَاله فِي ذَلِكَ مِنَ الأَجْرِ.
قَالَ فَأَتَتْهُ الْمَرْأَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنِّي قَدْ حَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِي غَيْرَ أَنِّي تَحَمَّلْتُهُ
رَجَاءَ الثَّوَابِ وَحُسْنِ الْجَزَاءِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ أَمْرًا لَسْتُ أُحِبُّ فِيهِ مُفَارَقَةَ الْحَقِّ فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ بَاطِلٍ عِنْدَ الْحَقِّ مُضْمَحِلًّا وَكُلَّ أَمْرٍ يَدْعُو إِلَى ضَرَرٍ فِي الآخِرَةِ فَاسِدًا
فَقَالَ قُولِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ مَا بَدَا لَكِ أَنْ تَقُولِي وَدَعِي الإِكْثَارَ فَإِنَّ النَّهَارَ يَمْضِي وَالسَّاعَاتِ تُحْصَى.
قَالَ فَأَقْرَأَتْهُ الشِّعْرَ وَأَخْبَرَتْهُ بِحَالِهَا فَقَالَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ إِنَّ لِلَّهِ مِحَنًا يَمْتَحِنُ بِهَا عِبَادَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأَحِبَّاءَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ لَهُ وَكَيْفَ إِيثَارُهُمْ إِيَّاهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ وَمَا أَظُنُّ إِلا أَنَّ اللَّهَ ابْتَلانِي بِمَا ذَكَرْتِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لِيَمْتَحِنَنِي وَوَاللَّه مَا لِي طَاقَةٌ بِمِحَنِ رَبِّي إِنْ لَمْ يُوَفِّقْنِي وَيُثَبِّتْنِي وَاللَّهِ لَمُفَارَقَةُ الأَحِبَّةِ فِي مَرْضَاتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمُقَامِ مَعَهُمْ وَالاشْتِغَالِ بِمَا يَقْطَعُنِي عَنْ خِدْمَتِهِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ فَأَبْلِغِيهَا عَنِّي السَّلامَ وَقُولِي لَهَا قَدْ سَمِعْتُ دَعَوْاكِ وَمَا ذَكَرْتِ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِرَاضٍ عَنْ نَفْسِي فِي خِدْمَةِ مَنْ إِلَيْهِ فَقْرِي وَحَاجَتِي فَكَيْفَ إِذَا عَلِقْتُهَا بِبَلاءٍ لَا يُمْكِنُنِي التَّخَلُصَ مِنْهُ.