قَالَ فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ مِمَّنْ كَانَ يَحْضُرُ الْمَجَالِسِ فَأَحَبَّتْهُ فَكَانَتْ لَا تَكَادُ تُفَارِقُ الْمَجَالِسَ الَّتِي تَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْضَرُهَا فَإِذَا انْصَرَفَ قَامَتْ لَهُ بِالطَّرِيقِ فَإِذَا مَرَّ بِهَا تَنَفَسَّتِ الصَّعْدَاءَ ثُمَّ قَالَتْ
أَلا أَيُّهَا الْمَاشِي بِسَمْتٍ وَهَيْئَةٍ ... وَوَجْهٍ جَمِيلٍ مَا لَنَا فِيكَ مَطْمَعُ
أَمُوتُ وَأَحْيَا عِنْدَ ذِكْرِكَ تَارَةً ... فَفِي الْقَلْبِ مِنِّي حُرْقَةٌ لَيْسَ تُرْفَعُ
أَلَيْسَ عَجِيبًا عَاشِقٌ يَكْتُمُ الْهَوَى ... يُعَلِّلُ بِالآمَالِ قَلْبًا يُقَطَّعُ
بِمَنْ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّنِي فِي وِثَاقِهِ ... بِرَوْضَةِ أَحْزَانٍ بِهَا الْحُزْنُ يُزْرَعُ.
قَالَ ثُمَّ تَوَلَّى فَكَانَ هَذَا دَأَبُهَا حِينًا وَالْفَتَى فِي غَفْلَةٍ لَا يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِنْهُ
فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَخَشِيَتْ أَنْ تُبْدِيَ بِهِ وَقَفَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الَّتِي كَانَ يَمُرُّ فِيهَا فَقَالَتْ
أَلا أَيُّهَا السَّاهِي وَلَيْسَ بِذِي سَهْوٍ ... رُوَيْدَكَ إِنِّي عَنْكَ لَسْتُ بِذِي لَهْوِ
قَالَ فَوَقَفَ فَقَالَ لَهَا مَا حَاجَتُكِ؟ فَقَالَتْ أَتُنْصِفُ مِنْ نَاظِرِكَ أَمْ تجور عَلَيْهِ فِي حُكْمِكَ إِذْ صَيَّرَ أَمْرَهُ إِلَيْكَ؟
فَقَالَ لَهَا وَيْحَكِ إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مَقَالَتَكِ إِنْكَارًا شَدِيد وَاسْتَوْحَشَتْ مِنْهَا جَوَارِحِي وَمَا أَجِدُ إِلَى الْوُقُوفِ مَعَكِ سَبِيلا أَحَتَجُّ بِهِ عِنْدَ رَبِّي غَدًا ثُمَّ وَلَّى وَتَرَكَهَا
فَأَتَى مَنْزِلَهُ مَغْمُومًا منها فَلَزِمَ مَنْزِلَهُ فَكَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَذَارًا أَنْ يَلْقَاهَا فَتُكَلِّمَهُ.
قَالَ وَكَانَتِ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ وَهَيْبَةٍ وَجَعَلَتْ تَطْلُبُهُ وَتَسْأَلُ عَنْهُ مَنْ يَعْرِفُهُ فَيُخْبِرُهَا أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بَيْتَهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهَا كَتَبَتْ بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ
تَقُولُ الَّتِي قَدْ شَفَّهَا حُبُّ نَاسِكٍ ... وَأَمْرَضَهَا حَتَّى تَغَيَّرَ حَالُهَا
وَصَيَّرَهَا مِثْلَ الْقَضِيبِ بِرَوْضَةٍ ... تُزَعْزِعُهُ ضَعْفًا هُنَاكَ شَمَالُهَا
وَخَلاهُ لِلأَحْزَانِ فَرْدًا معذبا ... وَمَا لِي وَالْأَحْزَان مَا لِي وَمَالهَا