فَتَرَدَّدْتُ إِلَيْهَا وَمَا زِلْتُ بِهَا حَتَّى دَرَّ مَتْنُهَا فَقَرَأَتِ الرُّقْعَةَ وَأَجَابَتْ عَنْهَا بِخَطِّهَا وَجِئْتُ بِالْجَوَابِ إِلَى أُمِّكَ فَأَخَذْتُهُ وَمَضَتْ بِهِ إِلَى أَبِيكَ فَشَنَّعَتْ عَلَيْهَا وَأَلْقَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبِيهَا وَأَبِيكَ وَبَيْنَ أُمِّهَا شَرًّا كُنَّا فِيهِ شُهُورًا إِلَى أَنِ انْتَهَى الأَمْرُ إِلَى أَنْ طَالَبَكَ أَبُوكَ بِتَطْلِيقِ زَوْجَتِكَ أَوِ الانْتِقَالِ عَنْهُ وَأَنْ يَهْجُرَكَ طُولَ عُمْرِهِ وَبَذَلَ لَكَ وَزْنَ الصَّدَاقِ مِنْ مَالِهِ فَأَطَعْتَ أَبَوَيْكَ وَطَلَّقْتَ الْمَرْأَةَ وَوَزَنَ أَبُوكَ الصَّدَاقَ وَلَحِقَكَ غَمٌّ شَدِيدٌ وَبُكَاءٌ وَامْتِنَاعٌ
عَنِ الطَّعَامِ فَجَاءَتْكَ أُمُّكَ وَقَالَتْ لَكَ لِمَ تَغْتَمُّ عَلَى هَذِهِ الْقَحْبَةِ أَنَا أَهَبُ لَكَ جَارِيَتِي الْمُغَنِّيَةَ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا وَهِيَ بِكْرٌ وَصَالِحَةٌ وَتِلْكَ ثَيِّبٌ فَاجِرَةٌ وَأَجْلُوهَا عَلَيْكَ كَمَا يُفْعَلُ بِالْحَرَائِرِ وَأُجَهِّزُهَا مِنْ مَا لِي وَمَالِ أَبِيكَ بِأَحْسَنِ مِنَ الْجِهَازِ الَّذِي نُقِلَ إِلَيْكَ فَلَمَّا سَمِعْتَ ذَلِكَ زَالَ غَمُّكَ وَأَجَبْتَهَا فَوَافَقْتَ عَلَى ذَلِكَ وَأَصْلَحَتِ الْجِهَازَ وَصَاغَتِ الْحُلِيَّ عَلَيْكَ وَأَوْلَدْتَهَا أَوْلادَكَ هَؤُلاءِ وَهِيَ الآنَ قَعِيدَةُ بَيْتِكَ
فَهَذَا بَابٌ وَاحِدٌ مِمَّا أَعْرِفْهُ مِنْ أُمِّكَ وَبَابٌ آخَرُ وَبَدَأَتْ تُحَدِّثُ فَقَالَ حَسْبِي حَسْبِي اقْطَعِي لَا تَقُولِي شَيْئًا لَعَنَ اللَّهُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَلا رَحِمَهَا وَلَعَنَكِ مَعَهَا وَقَامَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَبْكِي وَيَقُولُ خَرِبَ وَاللَّهِ بَيْتِي وَاحْتَجْتُ إِلَى مُفَارَقَةِ أُمِّ أَوْلادِي
وَأَخَذَ بِيَدِي وَقُمْتُ وَفِي قَلْبِي حَسْرَةٌ كَيْفَ لَمْ أَسْمَعْ بَاقِي مَا أَرَادَتِ الْعَجُوزُ أَنْ تُحَدِّثُنَا بِهِ.
* قَالَ مُعَافًى الْكُوفِيَّ: كَانَ عِنْدَنَا بِالْكُوفَةِ فَتًى مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَكَانَ نَاسِكًا لَهُ وَرَعٌ وَكَانَ يَنْزِلُ فِي كِنْدَةَ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَغْشَى مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَيَبْكِي حَتَّى يَرِقَّ لَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَيَبْكُونَ لِبُكَائِهِ وَكَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ النُّطْقِ.