{وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً . .} [يوسف: 31] .
والمتكأ هو الشيء الذي يستند إليه الإنسان حتى لا يطول به مَلَلٌ من كيفية جِلْسته ، والمقصود بالقول هو أن الجلسة سيطول وقتها ، وقد خططتْ لتكشف وَقْعَ رؤية يوسف عليهن ، فقدَّمتْ لكل منهن سكيناً ؛ وهو ما يوحي بأن هناك طعاماً سوف يؤكل .
ويتابع الحق سبحانه:
{وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ...} [يوسف: 31] .
ويُقال: أكبرْتَ الشيء ، كأنك قد تخيَّلته قبل أن تراه على حقيقته ؛ وقد يكون خيالك قد رسم له صورة جميلة ، إلا أنك حين ترى الشيء واقعاً ؛ تكبر المرائي عن التخيُّل .
والمثل أن إنساناً قد يُحدِّثك بخير عن آخر ؛ ولكنك حين ترى هذا الآخر تُفاجأ بأنه أفضل مما سمعتَ عنه .
والشاعر يقول:
كَادَتْ مُسَاءلةُ الرُّكْبانِ تُخبِرني ... عن جَعْفرِ بنِ حبيبٍ أصدقَ القيم
حتَّى التقيْنَا فَلا واللهِ مَا سَمِعتْ ... أُذني بأطيبَ مِمَّا قَدْ رأى بَصَرِي
ويقولون في المقابل: سماعك بالمعيدي خير من أن تراه . أي: يا ليتك قد ظللتَ تسمع عنه دون أن تراه ؛ لأن رؤيتك له ستُنقِص من قدر ما سمعت .
وهُنَّ حين آذيْنَ امرأة العزيز بتداول خبر مُراودتها له عن نفسه ، تخيَّلْنَ له صورةً ما من الحُسْن ، لكنهُنَّ حين رأَيْنَهُ فاقتْ حقيقته المرئية كل صورة تخيَّلْنَها عنه ؛ فحدث لهُنَّ انبهار .
وأول مراحل الانبهار هي الذهول الذي يجعل الشيء الذي طرأ عليك يذهلك عما تكون بصدده ؛ فإن كان في يدك شيء قد يقع منك .
وقد قطعتْ كلٌ منهن يدها بالسكين التي أعطتها لها امرأة العزيز لتقطيع الفاكهة ، أو الطعام المُقدَّم لَهُنَّ .
وقال الحق سبحانه في ذلك:
{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] .
وهل هناك تصوير يوضح ما حدث لَهُنَّ من ذهول أدقّ من هذا القول؟