وما يصل إلى هذه المرتبة يظهر أثره في إخضاع سلوك حركة الحياة عليه ، وإذا ما استقر المبدأ في نفس الإنسان ؛ فهو يجعل كل حركته في ظل هذا المبدأ الذي اعتقده .
وهكذا نعرف: كيف تمرُّ العقيدة بعدَّة مراحل قبل أن تستقر في النفس ، فالإدراك يحدث أولاً ؛ ثم التعقُّل ثانياً ؛ وبعد ذلك يعتقد الإنسان الأمر ، ويصبح كل سلوك من بعد ذلك وِفْقاً لما اعتقده الإنسان .
وكلمة: {شَغَفَهَا حُبّاً . .} [يوسف: 30] .
تعني أن المشاعر انتقلتْ من إدراكها إلى عقلها إلى قلبها ، والشغاف هو الغِشَاء الرقيق الذي يستر القلب ؛ أي: أن الحب تمكَّن تماماً من قلبها .
وقولهن:
{إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 30] .
هو قول حَقٍّ أُريد به باطل .
ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما يفضح مَقْصِدهن: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ...} .
ولسائل أن يقول: وكيف انتقل لَهُنَّ الكلام عن الذي حدث بينها وبين يوسف؟
لا بُدَّ أن هناك مرحلة بين ما حدث في القصر ؛ وكان أبطاله أربعة هم: العزيز ، وامرأته ، ويوسف ، والشاهد ، ولا بد أن يكون مَنْ نقل الكلام إلى خارج القصر ؛ إنسان له علاقتان ؛ علاقة بالقصر فسمع ورأى وأدرك ؛ ونقل ما علم إلى مَنْ له به علاقة خارج القصر .
وبحث العلماء عن علاقة النسوة اللاتي ثرثرن بالأمر ، وقال العلماء: هُنَّ خمسة نساء: امرأة الساقي ، وامرأة الخباز ، وامرأة الحاجب ، وامرأة صاحب الدواب (أي: سائس الخيل) ، وامرأة السجان .
وهؤلاء النسوة يَعِشْنَ داخل بيوتهن ؛ فمَنِ الذي نقل لَهُنَّ أسرار القصر؟
لا بُدَّ أن أحداً من أزواجهن قد أراد أن يُسلِّي أهله ، فنقل خبر امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام ؛ ثم نقلتْ زوجته الخبر إلى غيرها من النسوة .
وحين وصل إلى امرأة العزيز الخبر ؛ وكيف يمكرن بها ؛ أرسلت إليهن: