ورتب بعضهم ذلك على طرز آخر والله تعالى أعلم ، وأيّاً ما كان فالجملة إما خبر ثان أو حال من فاعل {تُرَاوِدُ} أو من مفعوله ، والمقصود منها تكرير اللوم وتأكيد العذل ببيان اختلاف أحوالها القلبية كأحوالها القالبية ، وجوز أبو البقاء كونها استئنافية فهي حينئذ على ما قيل: في موضع التعليل لدوام المراودة ، وليس بذاك لأنه إن اعتبر من حيث الإنية كان مصيره إلى الاستدلال بالأخفى على الأجل ، وإن اعتبر من حيث اللمية كان فيه ميل إلى تمهيد العذر من قبلها وليس المقام له ، وانتصاب {حَبّاً} على التمييز وهو محول عن الفاعل إذ الأصل قد شغفها حبه كما أشير إليه ، وأدغم النحويان.
وحمزة.
وهشام.
وابن محصين دال {قَدْ} في شين شغفها.
{أَنَاْ} أي نعلمها ، فالرؤية قلبية واستعمالها بمعنى العلم حقيقة كاستعمالها بمعنى الإحصاص بالبصر ، وإذا أريد منها البصرية ثم تجوز بها عن العلمية كان أبلغ في إفادة كونها فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرة {لَنَرَاكَ فِي ضلال} عظيم عن طريق الرشد والصواب أو سنن العقل {مُّبِينٌ} واضح لا يخفى كونه ضلالاً على أحد ، أو مظهر لأمرها بين الناس ، فالتنوين للتفخيم والجملة مقررة لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع ، وتسجيل عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم ، وإنما لم يقلن: إنها لفي ضلال مبين إشعاراً كما قيل: بأن ذلك الحكم غير صادر منهن مجازفة بل عن علم ورأى مع التلويح بأنهن متنزهات عن أمثال ما هي عليه ، وصح اللوم على الشغف قيل: لأنه اختياري باعتبار مباديه كما يشير إليه قوله:
مازحته فعشقته...
والعشق أوله مزاح
وإلا فما ليس باختياري لا ينبغي اللوم عليه كما أشار إليه البوصيري بقوله:
يا لائمي في الهوى العذري معذرة...
مني إليك ولو أنصفت لم تلم