والحق سبحانه يقول هنا: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} [هود: 121] .
ونحن نعلم أن كل كائن منَّا له مكان ، أي: له حَيِّز وجِرْم . ويقال: فلان له مكانة في القوم ، أي: له مركز مرموق ؛ إذا خلا منه لا يستطيع غيره أنْ يشغله ، وهو مكان يدلُّ على الشرف والعظمة والسيادة والوجاهة ونباهة الشأن .
فقول الحق: {اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} [هود: 121] .
أي: اعلموا على قَدْر طاقتكم من عُدة ومن عَدد ، فإن لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رباً سيهديه وينصره ، وفي هذا تهديد لهم ؛ وليس أمراً لهم ؛ لأنهم ككفار لن يمتثلوا لأمر مِنْ عَدوِّهم .
ولو أنهم امتثلوا لأمر محمد وربِّ محمد لَمَا كانوا كافرين ؛ بل لأصبحوا من الطائعين .
وحين يقول لهم سبحانه في آخر الآية:
{إِنَّا عَامِلُونَ} [هود: 121] .
فمعنى ذلك أن كل ما في قدراتكم هو محدود لأنكم من الأغيار الأحداث ؛ أما فعل الله تعالى فهو غير محدود ؛ لأنه سبحانه قديمٌ أزليٌّ لا تحده حدود ، ولن يناقض عمل المُحدَث الحادث عمل القديم الأزلي ، فقوة الحادث المُحدَث موهوبة له من غيره ، أما قوة الحق سبحانه فهي ذاتية فيه .
ونحن نعلم أن أيَّ عمل إنما يُقَاس بقوة فاعله ، وخطأ المستقبلين لمنهج الله أنهم إذا جاء عمل ؛ نَسَوا مَنِ الذي عَمِلَ العمل ، ولو كان العمل من فعل البشر لَحقَّ للإنسان أن يتكلم ، لكن إذا ما كان العمل من الله تعالى فليلزمِ الإنسان حدوده .
ومثال ذلك: هؤلاء الذين جادلوا في مسألة الإسراء التي قال فيها الحق تبارك وتعالى: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] .
وقالوا: إننا نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ، فكيف يقول إنه أتاها في ليلة؟