وقد نهت الشريعة عن الغلو قال تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم) ( [53] ) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( هلك المتنطعون ) ) ( [54] ) .
وظهور الغلو يدل على غياب الميزان الشرعي، فالذي يحمل الناس على العزائم في مقام الرخص لا يعرف قيمة الشرع، والذي يزيد على ما أمر به الشرع جاهل بمقاصده، غير ملتزم بتشريعه والأصل في العبادات التوقف.
(4) ومن آثار الاختلاف ظهور الفهم العقلاني المحض، وذلك بتقديم المعقول على المنقول.
قال الشهرستاني:"إن أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنة الله، مصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها وانشعبت من هذه الشبهة سبع شُعَب وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدع وضلالة" ( [55] ) .
فالفكر العقلاني لا يدعو إلى فهم النصوص عند الاستدلال بها، وإنما يدعو إلى إعمال العقل في مقام النص، فتضيع النصوص ويتعبد الناس بالعقول ولا شك أنه الضياع والهلاك. وكما هو مقرر عند العلماء العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح لذلك يقول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ( [56] ) .
فإذا صادم عقلك نصاً صريحاً فاتهم عقلك ولا تتهم النص ولا تبطله.
قال سهل بن حنيف:"يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم - لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته" ( [57] ) .
بل وانتشرت مقولة (هذا نصي) (هذا حرفي) مما غيَّب عن الناس الفهم الصحيح وعمَّق الخلاف وسببه المباشر الذي يستند إليه هو الخلاف السابق.
(5) الانشقاقات في صفوف الجماعات، فالاختلاف في الآراء بدلاً من أن يكون مجالاً خصباً، وللتناصح وردِّ المتنازع فيه إلى الشرع أصبح سبباً في الانشقاقات، وتكونت بسببه خلايا سرطانية تخرج منها في كل يوم مجموعة تسمى نفسها اسماً جديداً حاملة معها حججاً وبراهين تدافع بها عن خروجها، وبعد فترة هي نفسها تفر من التشبيه وتقع في التعطيل وتنقسم على نفسها وهكذا.
المطلب الخامس: أسباب عمق الخلاف بين العاملين: