لا . . فمع كونك مختاراً إياك أن تغتر بهذا الاختيار ؛ لأن في طيِّك قهراً ، وما دام في طيك قهر فعليك أن تتأدب ؛ ولا تتوهَّم أنك مختار في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن ؛ ولا تتوهم أنك مُنفلت من قبضة الله تعالى فهو يملك زمامك في القهريات التي تحفظ لك حياتك مثل: الحيوان والنبات والجماد ، ولكنه سبحانه ميَّزك بالعقل .
وخطأ الإنسان دائماً أنه قد يعطي الأسماء معاني ضد مسمياتها ، فكلمة"العقل"مأخوذة من"عقل"وتعني:"ربط"؛ فلا تجمح بعقلك في غير المطلوب منه ؛ لأن مهمة العقل أن يكبح جماحك . وتذكر دائماً: في قبضة من أنت ؛ وفي زمام من أنت ؛ وفي أي الأمور أنت مقهور؟
وما دُمْتَ مقهوراً في أشياء فاختر أن تكون مقهوراً لمنهج الله سبحانه واحفظ أدبك مع الله ، واعلم أنه قد وهبك كل وجودك سواء ما أنت مختار فيه أو مقهور عليه .
وانظر إلى من سلبهم الحق سبحانه بعض ما كانوا يظنون أنها أمور ذاتية فيهم ، فتجد من كان يحرك قدمه غير قادر على تحريكها ، أو يحاول أن يرفع يده فلا يستطيع .
ولو كانت مثل هذه الأمور ذاتية في الإنسان لما عَصَتْه ، وهذا دليل على أنها أمور موهوبة من الله ، وإنْ شاء أخذها ، فهو سبحانه يأخذها ليؤدِّب صاحبها .
وما دام الإنسان بهذا الشكل ، فليقُل لنفسه: إياك أن تَغترَّ بأن الله جعل فيك زاوية اختيار ، وتذكّر أنك على أساس من هذه الزاوية تتلقَّى التكليف من الله ب"افعل"، و"لا تفعل"؛ لأن معنى"افعل كذا": أنك صالحٌ ألاّ تفعل ؛ ومعنى"لا تفعل كذا": أنك صالحٌ أنْ تفعل ؛ لأن لديك منطقة اختيار ؛ ولكن لديك في زواياك الأخرى منطقة قَهْرٍ وتسخير ، فتأدَّبْ في منطقة الاختيار ، كما تأدبت في منطقة الاضطرار والقهر .
وقد وصف الحق سبحانه الإنسان بأنه كنود ، قال تعالى:
{إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] .