قالت المعتزلة: هذه المشيئة مشيئة القهر والقسر، وذلك مما يدفع المحنة، ويزول لديه المثوبة والعقوبة، وكذلك في قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) .
وأما عندنا فلو شاء لجعلهم أمة واحدة، مشيئة لا تزول معها المحنة، والذي يدل عليه خصال:
أحدها: أن اللَّه تعالى قد عرفنا الإيمان والدِّين الذي يقع به اجتماع، أو فيه الاختلاف بما ركب فينا من العقول التي بها نعرف حقائق الأشياء ومجازاتها، ومحاسن الأمور وقبيحها، بمعونة السمع أو بالتأمل فيما يحس بالأمرين جميعًا أنه لا يكون إلا بالاختيار، ولا يوصل إلى السبب الذي به يدان إلا بالاستدلال أو التعليم؛ إذ هو طاعة وتصديق، وذلك يكون ممن لا يحس، وطريقه الاجتهاد، وكل ذي أضداد القسر، فمحال أن يعود الكون لو شاء على وجه قد عرفنا أنه لا يكون سمعًا وعقلا، فيكون في الحقيقة كأنه قال لو شاء أن يكون لا يكون، على أن ذا من يقبل عنه هذه الدعوى على قولهم، وهو منذ كان الخلق بين أن كان فيما شاء إثباته من أفعال الخلق فلم يكن ولم يشأ، فكان عندهم، فهو كمن ظهر عجزه بجميع أدلة العجز، ثم يدع أن له القدرة بها، يقهر ما يشاء، فذلك كمن لا يقوم للانتصاب والنهوض فيدع أنه يقدر على الصعود، أو من لا يملك إمساك مثل ذرة أنه ممسك السماوات والأرض. على أنه لو كان كذلك ليجيء أن يكون يقدر على فعل الكفر والسفه والكذب، إذ من يقدر على فعل شيء لا يقدر على فعل ضده عندهم ليس ذلك بقدرة.
ثم لو كان ذلك كله بلا غير، يصير له فعلا، فكأن يكون في الحقيقة سفيهًا كذوبًا، ومن كان ذلك وصفه فهو غير رب ولا حكيم، ومن ربوبيته تحت قدرة غيره أو حكمته تحتمل المضادات، فهو مسئول عما يفعل، مطالب بالحجج، فأنى يكون لمن ذلك وصفه ربوبية جل عن ذلك.