وفي الآية على القراءة المتواترة: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119] إشارة بديعة إلى أن التعلق بأذيال الصادقين ينفع لا محالة؛ فإن العبد إذا كان مع الصادقين ولم يكن منهم، فقد تجره رغبته في الكينونة معهم إلى أن يكون منهم.
وفي قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [سورة التوبة: 119] إشارة إلى أنَّ التقوى أساس الصدق؛ فإنَّ حقيقة التقوى خشية الله تعالى، فيتقي عذابه وسخطه، فيصدق في طلبه، وحينئذ فقد ينفع قليل الصدق
مع التقوى، فإذا تمرَّن العبد على الصدق مع التقوى فقد بلغ الغاية، وأركز على قطب الصديقية.
وفي قوله: {مَعَ الصَّادِقِينَ} تلطف بالعبد في إرشاده إلى الصديقية بلطف أمره بأن يكون مع مطلق الصادقين؛ فإنَّ قليل الصدق يدعو إلى كثيره، ولو أمروا بالصديقية أولاً لشق ذلك عليهم، وتوعَّر الطريق بين أيديهم، وربما وقفوا وجبنوا عن سلوكه، بل أمر الله تعالى بالقليل من ذلك، ووعد أن لا يضيع سعي ساع عنده ولو كان مثقال ذرة ليكون الطريق في وجوه السائرين إليه سهلاً واسعاً.
ولقد روى الطبراني في"الكبير"، والحاكم في"تاريخه"حديثاً حسناً عن أبي أمامة وإنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لامْرِئٍ مَا احْتَسَبَ، وَعَلَيْهِ مَا اكْتَسَبَ، وَالمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَمَنْ مَاتَ عَلى ذَنَابَيِ الطَّرِيْقِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ".
وقوله: على"ذنابي الطريق"، أو:"على طرفه"فيه إشارة إلى أنَّ من السعادة التي لا شبهة في نجاة صاحبها أن يموت على طريق الهدى ولو على طرف منه، فإذا كان ذلك الطرف المتعلق به هو الصدق في طلبه سبحانه وتعالى فقد تمت سعادته؛ فإنَّ من أحب لقاء الله تعالى أحبَّ الله تعالى لقاءه، وفي محبة لقاء الله تعالى ينطوي الصدق، فإذا مات