الْقِدِّيسِينَ فِي عُرْفِهِمْ ، يَتَوَسَّلُونَ بِهِمْ ، وَيَتَّخِذُونَ لَهُمُ الصُّوَرَ وَالتَّمَاثِيلَ فِي كَنَائِسِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ
لَا يُسَمُّونَ هَذَا عِبَادَةً فِي الْغَالِبِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ كَانَ قَدْ تَنَصَّرَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ هَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءِ وَالْكُبَرَاءِ فِي الْمِلَّةِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَأَمَّا اتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا بِالْمَعْنَى الْمَأْثُورِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، فَقَدْ كَانَ عَامًّا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَمْ يَقْتَصِرُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ بَلْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا ، بَلْ أَضَافُوا إِلَيْهَا مِنَ الشَّرَائِعِ اللِّسَانِيَّةِ عَنْ رُؤَسَائِهِمْ مَا كَانَ خَاصًّا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُدَوِّنُوهُ فِي الْمِشْنَةِ وَالتِّلْمُودِ ، ثُمَّ دَوَّنُوهُ فَكَانَ هُوَ الشَّرْعَ الْعَامَّ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ .
وَأَمَّا النَّصَارَى: فَقَدْ نَسَخَ رُؤَسَاؤُهُمْ جَمِيعَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَويَّةَ عَلَى إِقْرَارِ الْمَسِيحِ لَهَا ، وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا شَرَائِعَ كَثِيرَةً فِي الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ جَمِيعًا . وَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ انْتِحَالَهُمْ حَتَّى مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِمَنْ شَاءُوا وَحِرْمَانٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَمَلَكُوتِهِ . وَهَذَا حَقُّ اللهِ وَحْدَهُ: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ (3: 135) ؟ أَيْ لَا أَحَدَ . وَالْقَوْلُ بِعِصْمَةِ الْبَابَا رَئِيسِ الْكَنِيسَةِ فِي تَفْسِيرِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ .