وهو الذي فهمه عليّ ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما مِن قائل ذلك ، لأن ذلك زَنْدَقَةٌ.
فأمّا إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمّنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذباً محضاً ؛ فإنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمّنوه ولا صرّحوا له بذلك ، ولو فعلوا ذلك لما كان أمَاناً ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما وجّههم لقتله لا لتأمينه ، وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول.
وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك لهم نظر وتردّد.
وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبتُه للنبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه قد صوّب فعلهم ورضي به فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر ومن صرّح بذلك قتل ، أو لا يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم فلا يُقتل.
وإذا قلنا لا يقتل ، فلا بُدّ من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن ، والضرب الشديد والإهانة العظيمة.
الثالثة فأما الذِّميّ إذا طعن في الدين انتقض عهده في المشهور من مذهب مالك ؛ لقوله: {وَإِن نكثوا أَيْمَانَهُم} الآية.
فأمر بقتلهم وقتالهم.
وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله.
وقال أبو حنيفة في هذا: إنه يستتاب ، وإنّ مجرّد الطعن لا ينقض به العهد إلاَّ مع وجود النَّكْث ؛ لأن الله عزّ وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما نقضهم العهد ، والثاني طعنهم في الدين.
قلنا: إنَ عملوا بما يخالف العهد انتقض عهدهم ، وذِكر الأمرين لا يقتضي توقّف قتاله على وجودهما ؛ فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلاً وشرعاً.
وتقدير الآية عندنا: فإن نكثوا عهدهم حلّ قتالهم ، وإن لم ينكثوا بل طعنوا في الدِّين مع الوفاء بالعهد حلّ قتالهم.
وقد رُوي أن عمر رُفع إليه: ذِمّي نخس دابة عليها امرأة مسلمة فَرَمَحت فأسقطتها فانكشف بعض عورتها ؛ فأمر بصلبه في الموضع.
الرابعة إذا حارب الذمّي نُقض عهده وكان مالُه وولده فَيْئاً معه.
وقال محمد بن مسلمة: لا يؤاخذ ولده به ؛ لأنه نقض وحده.