أى: أنهم لا يتخذون دين الإِسلام ديناً لهم، مع أنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده، والذي لا يقبل - سبحانه - ديناً سواه. قال تعالى: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً...} وقال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين} ويصح أن يكون المراد بدين الحق. ما يشمل دين الإِسلام وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون.
أي: ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه، وشرعها لعباده، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم.
وعبر عنهم في قوله: {قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ. .} بالاسم الموصول للإِيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال.
أي أن العلة في الأمر بقتالهم، كونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق.
وقوله: {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى؛ لأن الحديث عنهم، وعن الأسباب التي توجب قتالهم.
والمراد بالكتاب: جنسه الشامل للتوراة والإِنجيل.
أي: قاتلوا من هذه صفاتهم، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام - ولكنهم لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم.
والمقصود بقوله: {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا، أما حكم أهل الكتاب فهو القتال، أو الإِسلام، أو الجزية:
وقوله: {حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} غاية لإِنهاء القتال.
أي: قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطو الجزية عن طوع وانقياد، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم.
والجزية: ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهي - كما يقول القرطبي: - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ من اسدى إليه. فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجلسة، ومن هذا المعنى قول الشاعر:
يجزيك أو يثنى عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
والمراد بإعطائها في قوله: {حتى يُعْطُواْ الجزية} ، التزام دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك.