وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ سَبَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} فَجَعَلَ الطَّعْنَ فِي دِينِنَا بِمَنْزِلَةِ نَكْثِ الْأَيْمَانِ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَجْعَلَ نَكْثَ الْأَيْمَانِ وَالطَّعْنَ فِي الدِّينِ بِمَجْمُوعِهِمَا شَرْطًا فِي نَقْضِ الْعَهْدِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ نَكَثُوا الْأَيْمَانَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يُظْهِرُوا الطَّعْنَ فِي الدِّينِ لَكَانُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ.
وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ مُعَاوَنَةَ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ ، وَهُمْ حُلَفَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ إظْهَارُ طَعْنٍ فِي الدِّينِ ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ.
فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ مَنْ أَظْهَرَ سَبَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ ، إذْ سَبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْثَرِ الطَّعْنِ فِي الدِّينِ ، فَهَذَا وَجْهٌ يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِمَا وَصَفْنَا.
وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رِجْلٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إنِّي سَمِعْت رَاهِبًا سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.