{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ... (53) }
أي: يستوي عدم القبول منكم، سواء أكانت النفقة صادرةً عن طواعيةٍ، أو عن كراهيةٍ؛ وذلك أنه سبحانه قد علم من حالهم عدم الاهتداء، وربما يتوهم المخاطب أن الإنفاق طوعًا مقبول، فدفع ذلك بالتسوية بينهم.
{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ُوَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ... (72) }
ويؤتى بالمسند إليه منكرًا أيضًا لإفادة التقليل كما في قول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ُوَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}
أي: شيء قليل من رضوان الله خير مما ذكر في صدر هذه الآية من الجنة ونعيمها، وإنما كان الرضوان وإن قل أكبر من كل ما في الجنة من النعيم؛ لأن المراد إعلامهم بأنه أكبر من كل نعيم يأتي بلا إعلام، أو أن ما عَدَا الرضوان من صنوف النعيم مسبب عنه ولأنه من ثمراته ونتائجه، يقول الخطيب القزويني: وشيء من رضوانه أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه سبب كل سعادة وفلاح، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعيم، وإنما تهنأ له برضاه، كما أنه إذا علم بسخطه تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت.
{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (74) }
وقد يفيد حذف المسند تعظيم المسند إليه، على نحو ما ترى في قول الله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} (التوبة: 74) .
وقوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} (التوبة: 62) .
فالأصل: إلا أن أغناهم الله من فضله وأغناهم رسوله، والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. فحذف المسند في الموضعين؛ لدلالة المذكور عليه، وحذفه يفيد تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو المسند إليه، إذ جعل إرضاءه من إرضاء الله، وإغناءه من إغنائه تعالى، وهذا تعظيم ما بعده تعظيم.