قاله أبو حيان والجمل وكذلك الأستاذ سعيد الأفغاني، وقال الزمخشري: لما ضمن الفعل معنى الميل عداه بـ (إلى) ، وقرئ: أَثاقَلْتُم؟ بفتح الهمزة على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ أقول: ولعل الإخلاد أولى من الميل (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) السياق إذا يبدأ بعتاب المؤمنين ما لكم إذا قيل؟. أرضيتم؟ ثم ينتهي بالتهديد الرعيب والعذاب الشديد: إلا تنفروا يعذبكم ... ويستبدل ... ولا تضروه، لمن هذا العتاب؟ إنه للمتثاقلين عن النفير، لمن في عقيدته دخل، أو دخن، أو وهن، (اثاقلتم) ثقيلة في نطقها على اللسان تمثل الجسد الثقيل المسترخي اللاصق بالأرض، كلما رفعته روحه للتحليق جذبته جواذب الأرض ليخلد إليها، ومن أجل هذه الصيغة وموسيقاها آثره العليم الخبير وقدمه على (ركن) و (أخلد) ، فالتضمين شارك في تصوير المشهد لهذا الجسد الغائص في الطين ومتاع الدنيا القليل حين جمع المعنيين الإخلاد والركون مع التثاقل، أما تضمين (أثاقل) معنى (مال) فلا يغني في رسم هذه الصورة ولا يشخص حقيقة المشهد لما في الميل من الليونة، وما في أعطافه من النعومة واللدونة تستهوي ضعيف النظر فتصرفه عن التحديق في جرس اللفظ (افاعلتم) وإيقاعه وخطر معناه، إنه النفير العام في غزوة تبوك فهذا هرقل ملك الروم مع ما ضم إليه من لخم، - وجذام، وعاملة، وغسان ... من قبائل العرب، وكان وقتها حين طابت الظلال وأينعت الثمار وحبب إلى الناس المقام، فلهذه العوامل مع شدة الحر أثرها في التثاقل، فالجِرْس الموسيقي في الفعل المضمن ترفعه الرافعات فيسقط من ثقله وغلوه واشتطاطه، فجاذبية الجسد وما في إيمان صاحبه من وهن، تقاوم رفرفة الروح وانطلاقها إلى جنات الخلود ... عدن للخلوص من فناء الجسد.
ولعل الركون والاسترخاء والإخلاد وما احتبس في منظوره من ظل الرهبة وهول العاقبة، يقضي بتقدمه على سواه لأنه أعون على استشفاف دخيلة النفوص وسفور المشاعر في تهديد المتثاقلين بعاقبة العذاب الشديد: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) فهل بعد هذا كله نقول: ملتم؟؟! ... إنه التضمين ... جمع فأوعى، واختزن من المشاعر ما جلَّى.
أخفى لنا التضمين كل دلالةٍ ... بلطائفِ مثلِ النجومِ مُثولِ