وقد عرفنا الكثير عن الإيثار من الأنصار الذي قد بلغ مرتبة لا يتسامى إليها البشر أبداً إلا بصدق الإيمان ، ذلك أن الرجل الذي يعيش في نعمة وله صديق أو حبيب يحب أن يتحفه بمشاركته في نعمته ، فإذا كان عنده سيارة مثلاً يعطيها له ليستخدمها ، وإذا كان له بيت جميل قد يدعوه للإقامة فيه بعض الوقت ، وإذا كان عنده ثوب جميل أو فاكهة نادرة قد يعطيه منها ، إلا المرأة فهي النعمة التي يأنف الرجل أن يشاركه فيها أحد .
ولكن عندما وصل المهاجرون إلى المدينة وتركوا نساءهم في مكة ، كان الأنصاري يجيء للمهاجر ويقول له: انظر إلى نسائي والتي تعجبك منهن أطلقها لتتزوجها . هذه مسألة لا يمكن أن يصنعها إلا الإيمان الكامل ، وحين يصنعها الإيمان ، فهذا الإيمان يجدع أنف الغيرة ويمنعها أن تتحرك ، ولا يكون هناك من له أكثر من زوجة ومن هو محروم من المرأة .
وقد حدد الحق لنا ميزة كل طائفة من طوائف المؤمنين وبين أحكامهم: فالطائفة الأولى المهاجرون الذين آمنوا وتركوا دينهم الذي ألفوه ، ثم هاجروا وتركوا أوطانهم وبيوتهم وأموالهم وزوجاتهم وأولادهم وجمالهم وزروعهم ، ثم بعد ذلك عملوا لينفقوا على أنفسهم بمال يكتسبونه وينفقون منه أيضاً على الجهاد ؛ مع أنهم تركوا أموالهم وكل ما يملكون في مكة ، فكأنهم ضحوا بالمال وضحوا بالنفس . ودخلوا وهم قلة بلغت ما بلغت فلن تزيد عن ثلاثمائة ودخلوا في معركة مع الكثرة المشركة ، ولم يكونوا واثقين من النصر ولكنهم كانوا يطلبون الشهادة .
إذن فهم آمنوا ، هذه واحدة ، وهاجروا ، وهذه الثانية ، وجاهدوا بأموالهم هذه الثالثة ، وجاهدوا بأنفسهم هذه الرابعة ، وكانوا أسوة لأنهم سبقوا إلى الإيمان والجهاد فشجعوا غيرهم على أن يؤمنوا ، ولذلك فلهم أجر من سن سنة حسنة ، ولهم أجر من عمل بها ، وهؤلاء هم السابقون الأولون ولهم منزلة عالية وعظيمة عند الله عز وجل .