وإن هذا تقسيم حسن، وإن الذين اعتزلوا، ولم ينهوا، وإن اهتدوا وأطاعوا، لم تتم طاعتهم وهدايتهم لأنهم لم ينهوا العاصين، وكمال هدايتهم في نهيهم، فالتناهي عن المنكر مطلوب من الذين اهتدوا. ولقد قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) .
وإن المعذرة التي قام بها الناهون يرفعونها إلى ربهم تقربا إليه بقول الحق والدعوة إليه، والقيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا أو يخافوا العذاب، ويتوبوا إلى الله، ويقلعوا عن الذنوب التي وقعوا فيها؛ ولذا قال تعالى عنهم: (وَلَعَلَّهمْ يَتَّقونَ) ويكون الرجاء من هؤلاء، على حقيقة الرجاء؛ لأنه من المكلفين في شأن مكلفين.
وإن ذكر الذين لاموا الناهين، وإجابة هؤلاء فيها دعوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الاستمرار على دعوته ومداومة موعظته، ولو كان المشركون يعاندون، ويصرون على شركهم (. . . إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ. . .) ، فعليه أن يستمر على دعوته، ولو كانت حال موئس من الاستجابة فإن الله تعالى قد يغير من حال إلى حال.
وقد عصوا أمر ربهم، وذكروا بموعظة قومهم فنسوا ما ذكروا، ومنهم من لم ينس فقط، بل استكبروا عاتين عن أمر ربهم، وقال تعالى في مؤاخذتهم فابتدأ بمن عتوا فقال تعالى:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)
"الفاء"هنا لارتباط ما بعدها بما قبلها، أو للإفصاح عن شرط مقدر تقديره وإذا كان النهي من الناهين وتقدير المعذرة لرب العالمين، فقد كان استقبالهم لذلك، بين قوم نسوا ما ذكروا، ومن ذكروهم.