وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِثْلُ هَذَا مَعَ تَفْسِيرِهِ وَهُوَ: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا (2: 60) فَأَفَادَ مَا هُنَا أَنَّ قَوْمَهُ اسْتَسْقَوْهُ ، وَمَا هُنَاكَ أَنَّهُ اسْتَسْقَى رَبَّهُ لِقَوْمِهِ ، وَكِلَاهُمَا قَدْ حَصَلَ . وَالِاسْتِسْقَاءُ طَلَبُ الْمَاءِ لِلسُّقْيَا ، وَتَعْرِيفُ الْحَجَرِ فِي هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ الْمَكِّيَّةِ (الْأَعْرَافِ) وَالْمَدَنِيَّةِ (الْبَقَرَةِ) لِتَعْظِيمِ جُرْمِهِ ، وَقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ فِي التَّوْرَاةِ بِالصَّخْرِ - أَوْ تَعْظِيمِ شَأْنِهِ ، أَوْ كِلَيْهِمَا ، وَكَلَاهُمَا عَظِيمٌ ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْعَهْدِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ التَّوْرَاةِ ، إِذْ عَيَّنَتْ مَكَانَهُ مِنْ جَبَلِ حوريت . وَالِانْبِجَاسُ وَالِانْفِجَارُ وَاحِدٌ يُقَالُ: بِجَسَهُ أَيْ فَتْحَهُ فَانْبَجَسَ وَبِجَّسَهُ (بِالتَّشْدِيدِ) فَتَبَجَّسَ ، كَمَا يُقَالُ: فَجَّرَهُ (كَنَصَرَهُ) إِذَا شَقَّهُ فَانْفَجَرَ وَفَجَّرَهُ (بِالتَّشْدِيدِ) فَتَفَجَّرَ - وَزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أَنَّ الِانْبِجَاسَ خُرُوجُ الْمَاءِ بِقِلَّةِ ، وَالِانْفِجَارَ خُرُوجُهُ بِكَثْرَةٍ ، وَأَنَّهُ عَبَّرَ بِهِمَا ; لِإِفَادَةِ أَنَّهُ خَرَجَ أَوَّلًا قَلِيلًا ثُمَّ كَثُرَ . وَأَدَقُّ مِنْهُ قَوْلُ الرَّاغِبِ: الِانْبِجَاسُ أَكْثَرَ مَا يُقَالُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ شَيْءٍ ضَيِّقٍ ، وَالِانْفِجَارُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ ، وَفِيمَا يَخْرُجُ مِنْ شَيْءٍ وَاسِعٍ ، فَاسْتَعْمَلَ حَيْثُ ضَاقَ الْمُخْرِجُ اللَّفْظَانِ - أَيْ وَهُوَ حَجْرُ مُوسَى .