وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: {فَلَا تَشْمُتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ}
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَا أَدْرِي، فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا: {فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ} فَإِنْ تَكُنْ صَحِيحَةً فَلَهَا نَظَائِرُ. الْعَرَبُ تَقُولُ: فَرِغْتُ وَفَرَغْتُ، فَمَنْ قَالَ: فَرِغْتُ قَالَ: أَنَا أَفْرَغُ، وَمَنْ قَالَ: فَرَغْتَ قَالَ: أَنَا أَفْرُغُ، وَكَذَلِكَ رَكِبْتُ وَرَكَبْتُ وَشَمِلَهُمْ أَمْرٌ وَشَمَلَهُمْ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ. قَالَ: وَالْأَعْدَاءُ رَفْعٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَهُمْ لِمَنْ قَالَ تَشْمَتْ أَوْ تَشْمُتْ
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ إِلَّا بِهَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {فَلَا تُشْمِتْ} بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ أَشْمَتُّ بِهِ عَدُوَّهُ أُشَمِّتْهُ بِهِ، وَنَصَبِ الْأَعْدَاءِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهَا وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى مَا خَالَفَهَا. هَذَا مَعَ إِنْكَارِ مَعْرِفَةِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: شَمَّتَ فُلَانٌ فُلَانًا بِفُلَانٍ، وَشَمَتَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ يَشْمُتُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِهِمْ إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ شَمَاتَةِ الرَّجُلِ بِعَدُوِّهِ شَمِتَ بِهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ يَشْمَتُ بِهِ بِفَتْحِهَا فِي الِاسْتِقْبَالِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فَإِنَّهُ قَوْلُ هَارُونَ لِأَخِيهِ مُوسَى، يَقُولُ: لَا تَجْعَلْنِي فِي مَوْجِدَتِكَ عَلَيَّ وَعُقُوبَتِكَ لِي وَلَمْ أُخَالِفْ أَمْرَكَ مَحِلَّ مَنْ عَصَاكَ فَخَالَفَ أَمْرَكَ وَعَبَدَ الْعِجْلَ بَعْدَكَ فَظَلَمَ نَفْسَهُ وَعَبَدَ غَيْرَ مَنْ لَهُ الْعِبَادَةُ، وَلَمْ أُشَايِعْهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أَخِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْوَاجِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي ارْتِكْابِ مَا فَعَلَهُ الْجَهَلَةُ مِنْ عَبَدَةِ الْعِجْلِ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي} مُسْتَغْفِرًا مِنْ فِعْلِهِ بِأَخِيهِ، وَلِأَخِيهِ مِنْ سَالِفٍ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، تَغَمَّدْ ذُنُوبَنَا بِسِتْرٍ مِنْكَ تَسْتُرُهَا بِهِ.